الراوي عدوان        


بومة بربرة  

مقدمة الرواية

   في هذه الرواية، وبعد فصلها الاول، سنعايش سكان قرية فلسطينية جنوبية في الزمن الذي يؤرخ لنهاية العهد العثماني وبداية الانتداب البريطاني. سنعايش الافراح، الاتراح، المواسم، الاولياء، العفاريت، بالاضافة الى صراعات القبائل والاختلافات العائلية ومشاكل زواج البدل والزواج المبكر. سوف نتابع مع البربراوية ايضاً الرؤية الفلسطينية انذاك لمجريات السياسة اليومية، هجرة اليهود، بيع الاراضي، بناء الكبانيات، مشاريع التقسيم المتتالية، والمواقف العربية والعالمية وسياسة بريطانيا، وبالطبع الصراعات بين القيادات الوطنية، ذلك المرض المستعصي.

   اجداد عاشوا في العهد التركي، وابناء تبلور وعيهم في معمعة الانتداب البريطاني وتسرب الوطن من بين اصابعهم، واحفاد اصبحوا اجداداً وهم في المنفي ينتظرون تحقيق حلم العودة الى بربرة التي لم يعد قائماً منها الان سوى البناء المدرسي. فكيف كان الاصل، وكيف صار الفرع، وكيف اصبحت الصورة ؟

   السؤال لا يخص أهالي بربرة فقط، وانما كل الذين كانوا، ولا يزالون، جزءاً من ذلك الجرح المتسع يومياً والنازف في كل الاتجاهات منذ ما قبل النكبة وحتى اليوم. جرح كالبركان الذي لا يخمد، والذي لا تتوقف حممه لا تتوقف عن التدحرج والانفجار.

   فهل تغيرت الاحوال .. هل يمكن ان تتغير ؟ الرواية لا تطرح اجابات مباشرة، ولكنها تصف ما كان عليه الحال في المراحل المتتالية معيشياً وثقافياً واجتماعياً وسياسياً، وعلى القاريء، ان اراد، ان يراقب يومه وامسه وزمانه ومكانه، ليقارن ويستنتج الاجابات اذا كان الوضع الان قد تغير عما ترسمه الرواية، وفي اي اتجاه، واذا كانت الفجوات قد ضاقت او اتسعت.

   هذه الرواية حقيقية، وقد نسجت خيوطها، من ذكريات ومذكرات، اكراماً لابطالها الذين انتقل معظمهم الى الرفيق الاعلى، وحفاظاً على صورة قرية عزيزة ازالت الجرافات اثارها عن الارض، وتوجب ان نحميها، ونحفظها في العقول والقلوب، بكل ابعادها وتفاصيلها، ونورثها للاجيال.

                                                                                                                                   الاندلس. ملقا. أيار/ مايو 2007

                                                                                                                           الاردن. جرش. أيلول / سبتمبر 2009       

فصل :

بومة بربرة

 "تعرف يا حسين، أهل بلدكم كلهم مجانين". لم يدفعني ذلك القول للاستغراب من موقف الإنجليزي الذي لا يكفّ عن النقد اللاذع والمغلف في ثوب نصيحة. كان بودي القول له لو أننا مثلكم لأصبحنا امبراطورية، ولما كنت أنا أو أنت هنا نرصف الشوارع في يافا.

 "نعم أعرف أنهم مجانين، على الرغم من اعتقاد كل قرية أن فيها مجنوناً وبعض المهابيل فقط. هل هذا ما تريد إخباري به يا خواجا روبن؟".

 "لا لا. أنت لازم تشتري بفلوسك قطعة أرض وتتعلم مهنة، ولا تفعل مثل الآخرين وكبار السن". كان يوم جمعة، فاصطحبني الخواجا إلى بيته لأرى أخي أحمد وأتناول بعضاً مما تطبخه زوجة روبن التي لا تتحدث لغتنا بعكس زوجها. أصغيت إليه لأفهم مراده من تعابيره الخليطة بين الفصحى والمحكيّة، ففهمت مما أضافه أنّ أهلنا أيام الحكم العثماني خافوا من التجنيد والموت، وأنهم كنتيجة لذلك تقبلوا التحوّل إلى عبيد. أضاف: إن فرمان السلطان العثماني قبل سبعين سنة، سمح للناس أن يسجلوا باسمهم الأراضي التي توارثوا خدمتها. قبل ذلك كانت الأرض للسلطان، وبعد الفرمان أصبح بوسع الفلاحين أن يتسلموا مستندات الملكية للأرض التي يفلحونها، إذا أثبتوا ملكيتهم وشخصيتهم عند القائمقام.

 "لكن تسجيل الأرض يعني أن الحكومة السلطانية ستعرف الناس وستأخذهم إلى الجيش وتدفّعهم ضرائب. المجانين خافوا ورفضوا التسجيل، وشو صار؟".

 "شو صار، ما أخذوهم على الجيش؟ أنا أعرف أن الكثير من أهل بلدنا في بربرة سحبوهم إلى الجيش بالقوة".

 "بالضبط يا حسين، لذلك أقولك إنكم مجانين، وأنت لن تفعل مثل أهل زمان. بعضهم سجّلوا الأرض باسم أموات، والأغبى منهم سجلوا الأرض باسم أعيان وتجار ومأموري الضرائب. أصبحوا عبيداً في أرضهم ويدفعون الضرائب ويقبِّلون الأحذية للأفندية ويضربون بالكرباج. الباشوات الجدد أصبحوا يلمّون أي ناس ويرسلونهم إلى الجيش التركي بدل الفلاحين الذين يمصّون دمهم". كنت أعرف أن روبن موجود هنا في يافا منذ أيام الأتراك، وكانت مدن فلسطين مليئة بالأجانب حتى قبل انتصار الإنجليز على الأتراك والألمان، والآن ازدادت أعدادهم. شرح لي روبن إن الإنجليز أصبحوا يسجلون الأراضي ويعطون صكوك الملكية لمن يسجل ولمن يشتري أرضاً من آخرين، وقال إن الأراضي رخيصة جداً، فوعدته العمل بنصيحته.

 "عندما قامت الحرب كان عمرى أربع سنوات، ولم تصل إلى بربرة أي معارك، لكن أربعة من رجال قريتنا لم يعودوا من الجيش التركي". قلت لروبن، الذي بدا بعمر أبي، وتظاهرت بعدم معرفة أبعاد ما أكملت به: "تقول إن الإنجليز يسجلون الأراضي، وأنا سمعت أناساً يقولون إنكم أوقفتم التسجيل لعامين، وعندما فتحتم دوائر التسجيل في أيلول/سبتمبر 1920 أصبحت أملاك اليهود بقدرة قادر أضعاف ما كانت عام 1918".

 "فتحنا الدوائر قبل خمس سنوات، ولا يزال إقبالكم خفيفاً، بينما إقبال اليهود أعظم مما كان في السابق. ونحن لم نسجل لهم أراضي يا حسين. أراضيهم اشتروها أيام السلطان العثماني، وما زلتم تبيعون لهم. الملآك عندكم يعتقدون أنهم يبيعون اليهود أرضاً بوراً ورمالاً ومستنقعات، واليهود يشترون أي شيء، وهمّهم زيادة الملكية، ويمكن أن الفلاحين في قريتك باعوا أيضاً".

 "بربرة لم تبع أي شبر. وأنا سمعت أنكم أعطيتوهم الأرض لتساعدوهم في تطبيق وعد بلفور".

 "أنا عارف إنت كيف تسمع هذه الأخبار. تأخذها من العمال الأكبر منك، وأعرف أنهم دائماً يضحكون على قريتك ويلقبونك كوك. مع ذلك أنت تصدقهم وتكذب ما ترى بعينيك". سرد روبن قصة بيع مرج ابن عامر لليهود قبل أربعة أعوام حتى يثبت رأيه ويخرسني. في عام 1872 اشترى رجل البنوك سركيس تلك المنطقة من الدولة العثمانية، واستعد بالمقابل لجمع الضرائب من الفلاحين ودفعها وتوفير الأعداد الكافية منهم للالتحاق بالجيش. دفع ثمنها 6 آلاف استرليني وعمولة للموظفين 12 ألفاً حتى يراعوه في القياس. تواصل عمل الفلاحين تحت إشراف السادة الجدد ودفع سكان الـ 21 قرية الضرائب من المحصول. في عام 1921 باع آل سركيس 6263 هكتاراً من هذه الأرض بأرباح تقدّر بعدّة آلاف بالمئة، إذ أخذوا من اليهود بدلها 282388 جنيهاً استرلينياً، واشترط الصهاينة على آل سركيس أن يطردوا آلاف العائلات التي تعمل في الأرض. دفع السيد القديم ثلاثة جنيهات ونصفاً كتعويض لكل عائلة من الفلاحين، وحضر السادة الجدد بالجرافات لطرد الفلاحين الذين رمى بعضهم نفسه تحت الآليات. مات وجرح الكثير لأنَّ الصهاينة استعانوا بالإنجليز، فحضرت المصفحات وتمّ تحرير هذا الوادي من العرب، وأصبح أهم معقل صهيوني في الشمال.

كففت عن هذه المجادلة مع روبن وكانت حجتي ضعيفة، إذ يعرف الجميع منا أن هناك إلى جانب الأعيان خونة ومغفلين أيضاً يبيعون الأرض إلى عرب يعملون سماسرة عند منظمات اليهود، وربما ظن روبن أن سنواتي الخمس عشرة لا تؤهلني بعد لاستيعاب ما يقول. كم تمنيت لو أن مناضلاً تمكن من اغتيال بلفور عندما حضر في القطار من القاهرة إلى القدس ودمشق في ربيع هذا العام (1925). فلو كان روبن يعرف ما أفكر فيه لما ضحك حين سألني أن أخبره عن سبب تسميتي (كوك) من العمال. لقد نظّم العرب المسيحيون والمسلمون في القدس إضراباً بمناسبة زيارة بلفور الذي افتتح الجامعة العبرية، لكن الاحتجاج لم يتعد ذلك على الرغم من أن الإنجليز يزيدون أعداد جندهم كل عام، وقتلوا 200 فلسطيني في أول عامين من الانتداب.

 "المجانين" ضحك روبن قبل أن أكمل "يلقبون أي واحد من بربرة كوك. إنها قصة نسبت إلينا ولا نعرف أبطالها بالضبط. وعندما تتحدث عنها أي عجوز في بربرة، تنسب الفعل لجد جد المستمع فتقول إن زوجة ذلك الجد طلبت منه أن يذهب إلى سوق المجدل ليبيع البقرة ويعود بثمنها. خرج الجد مع الفجر يجر البقرة إلى المجدل. لكنه عاد ظهراً بدون البقرة".

 "أين البقرة؟" سألته زوجته.

 "بعتها". أجاب الزوج باختصار حتى يشوق زوجته ويثبت لها ذكاءه.

 "كيف بعتها ورجعت بسرعة؟ الوقت لا يكفيك حتى للوصول إلى سوق المجدل".

 "بعتها لستنا البومة". أجابها وهو يفتل شاربيه كما تقول العجائز من النساء وهن يسردن القصة.

 "بكم بعتها وأين النقود؟" أرادت الزوجة الوصول إلى نتيجة.

 "بثلاث ليرات ذهب". قال وهو يخرج القطع من حزامه لتتلقفها الزوجة بالفحص.

 "ستنا البومة دفعت لك الليرات، طيب وين البقرة؟".

 "ربطها في الشجرة كما قالت لي".

 "البومة قالت لك أربط البقرة في الشجرة؟".

 "أنا سألتها، هل أربط لك البقرة في الشجرة؟ فقالت كوك".

 "يعني إنت مثل سيدنا سليمان فهمت عليها، يمكن كوك معناها لا".

 "معناها نعم". وشرح لزوجته القصة بأنه جلس يستريح تحت الجميزة فشاهد البومة. أخبرها بمقصده، فقالت كوك، سألها إذا كانت تريد شراء البقرة وتريحه من المشوار، فقالت كوك. قال لها إنه يريد أربع ليرات فلم ترد عليه. تنازل إلى ثلاث فقالت كوك. سألها إذا كانت النقود مدفونة تحت الشجرة، فأكدت له ذلك. حفر وفتح الصندوق وأخذ ثلاث ليرات وأعاد الصندوق إلى مكانه. ادّعت الزوجة أنها لا تصدقه حتى حصلت منه على التفاصيل لتصل إلى البقرة والصندوق. حاولت إقناعه أن يذهبا سوياً، فغضب من فكرة نهب البومة. عندما همت بالخروج وحدها أخبرها أنه حسم أمره وسيذهب إلى مركز الحكومة في المجدل ليبلغ عنها. عرفت أن الأمر سيُفضح سواء عندما يجدون البقرة مربوطة في الجميزة، أو عندما يُحدّث زوجها الآخرين عن مهارته في البيع، وبالطبع ستكون النتائج كارثية لو عرف الأتراك بالقصة.

 "رأيك صحيح يا زلمة، حرام نسرق ستنا البومة. سأستمع إليك". وأقسمت له بالعظيم أنها لن تسيء إلى البومة. في الليل اطمأنت أنه نام، فعجنت وصنعت زلابية مقلية، ووزعت الأقراص في ساحة البيت وعلى السطح.

 "قوم يا زلمة، نايم والدنيا أمطرت زلابية". أفاق على ندائها غير مصدق، ولكنه شاهد الزلابية التي يحبها وقد نثرت على الأرض وعلى السطح. "الناس جمعوا كل اللي نزل في الشارع وإنت نايم".

بعد بضعة أيام ذهب لزيارة البومة ليطمئن عليها. لم يجد البقرة، ولا الصندوق، ولا البومة. تأكد أن زوجته خانت العهد، فواصل طريقه إلى المجدل واشتكى عليها عند المأمور الذي غلب الطمع على عقله فأرسل معه من يتحقق من القصة. سألوا الزوجة فأنكرت معرفتها بأي شيء من هذا القبيل جملة وتفصيلاً، وأخبرتهم أنه مجنون شوية.

 "أنا مجنون؟ ها هي البقرة عادت للزريبة، وأنت نهبتِ ستنا البومة يوم أن أمطرت الدنيا زلابية". كانت تعرف أنه سيتذكر ذلك الحدث. عندما سمع الجنود هذا الاستشهاد ضربوه فلقة على قدمية، وانتشرت القصة في القرى.

 "والله جدتك يا حسين ذكية، وأشطر من رجال السياسة في بلدكم الآن". وعاد روبن لتقريعي كيف أصدق قصص العمال في السياسة، وهم الذين يصدقون هذه القصص عن بربرة ولا يرون حتى ذكاء الجدة. لم يترجم كلامه هذا إلى زوجته كما كان يترجم لها ما رويته عن قصة كوك وقد احمرّ وجهه من كثرة الضحك.

طرحت عليه أسئلة من نوع لماذا لا يجندون الشباب في الجيش البريطاني كما يجندونهم في البوليس، وعن أحوال العمل في معسكرات الجيش. شك بوجود رغبة لديّ للعمل في أحد المعسكرات، حيث رواتب من يعمل معهم جيدة وعملهم مريح، وهم يتحدثون بإعجاب عما يشاهدون من أفعال الإنجليز.

 "أنت شاب صغير وبحاجة لمهنة تدوم معك وتنفعك". قال روبن، واختار لي مهنة قيادة السيارات، ووعدني بالمساعدة في هذا الخصوص. شكرته على استعداده، وتمنيت في سري لو مكّنني من هذه المهنة. أحدث سيارة مرخصة شاهدتها في يافا هذا الشهر كانت تحمل رخصة رقم 502، والكثير من السيارات يملكها الأجانب، يعني أن أولاد العرب السائقين أقل من 500. ثقتي بأخلاق وأمانة هذا الإنسان كبيرة إلى درجة أنني ادّخرت معظم راتبي عنده، بالإضافة إلى ما سيعطونه لأحمد.

***

صيف هذا العام حار جداً، وأصبح من المستحيل العمل في رصف الشوارع معظم ساعات النهار. أحمد ألحَّ عليَّ طوال اليوم أن نذهب إلى الموسم في وادي روبين قبل مواصلة الطريق إلى زيارة الأهل في بربرة، فوعدته بالسفر في مطلع أيلول/سبتمبر، وأخبرت الإنجليزي بالموعد، فلم يعترض. اشتريت عدداً جديداً من مجلة الحقوق، وأصبح عندي سبعة أعداد من جريدة الجزيرة الأسبوعية وأكثر من عشرين نسخة لصحف يومية مثل فلسطين وصوت الشعب والصباح، والتي جمعتها من العمال أو كنت قد اشتريتها لأعطيها إلى ابن عم أبي، الشيخ عبدالله عندما أعود إلى بربرة. كل هذه المطبوعات من صيف 1925. كان الشيخ يرافقني مسافة قليلة عندما أسافر من البلد ويعيد على مسمعي مؤكداً عليَّ بعدم نسيان الصحف وخصوصاً الحقوق الشهرية، لأنها مهتمة بالقضاء والشريعة والأدب وتصدر في يافا. لا يكلّفني الأمر كله أكثر من عشرة قروش، لكن الشيخ يرى هذه الهدية وكأنها بعشرة جنيهات، ويكثر من الدعاء ويتوسط لي عند الأهل بما أريد. بالإضافة إلى الصحف سيكون بوسعي إبلاغ الأهل عمّا سمعت في يافا من أخبار عن تململ في سورية. لقد جلب الفرنسيون 150 ألف أرمني إلى البلد وضاعت الفرص أمام العمال السوريين، كما أنهم أقاموا دوراً للدعارة في دمشق، والبلد، كما سمعت، على كف عفريت.

لقد تجمّع أهالي يافا أمام الجامع الكبير ليشاركوا في مسيرة زفة النبي روبين حتى طرف المدينة، فيعود من لديه أعمال إلى منزله، وترحّل البقية إلى الموسم على مسيرة خمسة عشر كيلومتراً إلى الجنوب. أكثر من خمسين هودجاً على ظهور الجمال في داخلها بعض من نساء وبنات يافا، المدنيات. ربما مائة جمل أخرى تحمل الخيام والبسط والطعام، وعشرات العربات ذات العجلات الأربع مغطاة، مثل التاكسيات، ويجرها حماران وقد امتلأت بالركاب. خيول وبغال وحمير عُلقت الأجراس في رقابها، مثل الجمال، وتزينت مثل ركابها، إضافة إلى بضع شاحنات وأقل منها تاكسيات تحمل الأطفال من أبناء أغنياء يافا. أحمد وأنا كنا مع أكثر من ألفين ساروا في الركب على أقدامهم وسط قرع الطبول والمزامير وحاملي رايات النبي روبين البيضاء.

مشى العلماء والمشايخ والدراويش وفرق الكشافة في صفوف بين الناس، وانطلقنا قبل اشتداد الحرارة عبر حي العجمي. أعداد كبيرة من المسافرين جاءت من اللّدّ والرملة لتشارك في الزفة والموسم منذ البداية. تركنا يافا ظهراً، وقبل أن تغيب عن أنظارنا توجب علينا الاستراحة حتى العصر، لأنَّ الشمس حارقة على الرغم من مسيرنا بمحاذاة شاطئ البحر. حرّرتُ أحمد من حمولته وتمددت فوق الرمال بينما انطلق هو يتفرج على الهوادج، فقد بدأ الموسم واللهو بالنسبة إليه. اجتزنا وادي روبين قرب البحر ليلاً وتحرّك الركب شرقاً عبر رمال بيضاء تلمع تحت ضوء القمر، وساعد من يستطيع في دفع العربات عبر الرمال حتى اقتربنا من جامع القرية، فاتّجه كل فريق إلى موقعه وأخذوا ينصبون الخيام، أو يجادلون على اكتراء خيام مقامة. المنطقة مضاءة بلمبات الكاز والدكاكين أقيمت من الخشب والخيش على الصفين إلى جانب المسجد بالقرب من مقام النبي روبين. وبالكاد اقتنع أحمد بالخلود إلى النوم في الجامع.

 "نجلس هنا أسبوعين، يعني نصف الموسم فقط، ثم نسافر إلى بربرة". قال وهو يحاول أخذ وعد من دون نقاش.

 "ثلاثة أيام الآن، ثم ثلاثة أخرى في طريق العودة إلى يافا في آخر الموسم". تكور على نفسه ونام على الفور من شدة التعب. وعلى الأرجح أنه لم يكن يتوقع هذا الرد الإيجابي.

من يمتلك بعض النقود لا يواجه أي صعوبات في روبين. المطاعم والمقاهي تملأ المكان وتفتح أبوابها في معظم الأوقات، دكاكين منتشرة أينما اتّجهت وفيها مأكولات وأطعمة وحلويات لا تعد ولا تحصى. سمعت في المقهى أن عدد الزوار هذا العام سيصل إلى خمسين ألفاً كونه عام هدوء سياسي حتى الآن. ويبدو أن نساء يافا هذا العام لهنّ الغلبة ولقد نجحن في فرض إرادتهن بحسب القول المشهور "يا بتروبني يا بطلقني".

بعد الفطور توجه أحمد إلى المراجيح، وقال إنه سيتفرج على الحاوي وعلى صندوق الفرجة أيضاً، فأخذ خمسة قروش ليدفع مقابل هذه الزيارة، وتواعدنا على اللقاء عندما يحين موعد الغداء في مطعم اللداوي. شدني حديث واعظ يفترش الرمال تحت معرش من القماش، فجلست أستمع مع بضعة شبان وأطفال. قال إن النبي روبين يُجل ويُحترم من الفلسطينيين كونه ابن سيدنا يعقوب البكر من زوجته ليئة، وإن مقامه بني هنا منذ أيام صلاح الدين الأيوبي. "هذا يعني أن المقام ليس قبراً للنبي روبين؟" سألت الواعظ لأني أعرف أن صلاح الدين بعد الإسلام والنبي يعقوب وأولاده أنبياء اليهود من قبل الإسلام.

 "هذا صحيح يا بني. كذلك مقام النبي موسى قرب أريحا ليس قبراً له. نبينا موسى لم يدخل فلسطين ومات ودفن في شرق نهر الأردن. المقامات تعبير عن الاحترام". قال الواعظ وتوسع في إفادتنا بوجود عدة مقامات لسيدنا الحسين في الكثير من البلدان العربية، وقال إن مقامات سيدنا الخضر منتشرة في العالم الإسلامي. بعد صمت قليل، ومن دون أي سؤال للاستفسار من قبل المستمعين، أضاف الواعظ إن سيدنا الخضر من الأولياء الصالحين قبل الإسلام، واسمه القديس مار جرجس. تعجبت من ذلك لأن عجائز بربرة يكثرن من التعهد بالنذور وقضائها إكراماً لسيدنا الخضر، وأظن أنهن لا يعرفن أنه مسيحي.

 "سأحدثكم عن إحدى كرامات سيدنا الخضر التي حصلت في بيروت". قال الواعظ وهو يسحب عمته إلى الخلف قليلاً ليبرّد على جبهته. "كان هناك تنين ضخم يخرج على سكان بيروت يقتل ويأكل ويدمر ويشرد الناس حتى اهتدوا إلى فكرة أن يقدموا للتنين فتاة كل عام تختار بالقرعة ليكفّ شره عنهم. وذات سنة جاءت القرعة على بنت الحاكم، ولم يكن من مجال إلّا التنفيذ. أخذها أبوها إلى ساحة البرج وربطها هناك بانتظار التنين الذي يحضر من كهف يبعد أقل من ميل عن بيروت. كانت الفتاه مسلمة ويعمر الإيمان قلبها. أغمضت عينيها وأخذت تدعو الله الخلاص وطلبت المساعدة من سيدنا الخضر. وبالفعل ظهر القديس على حصانه حاملاً رمحه الطويل وقتل به التنين وخلص الناس من شره. وشكر الحاكم سيدنا الخضر بأن أقام في الموقع مسجداً جميلاً يحمل اسمه ويزوره كل أهل بيروت للفوز بالبركات". هذه أول مرة أسمع فيها عن شيء اسمه تنين، ويبدو أنني لم أكن الوحيد إذ طُرحت على الواعظ عدة استفسارات كانت نتيجتها معرفة أن هذا الحيوان كبير وضخم، وهو طائر ينفخ ناراً، وليس مثل طائر الرخ الذي يحمل رجلاً أو أكثر بمخلبه ويطير به خلف البحر إلى جبال اليمن.

 "عززوا إيمانكم بالله، وتعاونوا على البرّ والتقوى، وأطيعوا أولياء أموركم، وتحصّنوا بالقناعة فهي كنز لا يفنى". توقف عن الوعظ قليلاً ريثما يجترع كوباً من عصير الخروب البارد، فاشتريت كوباً ومثلي فعل ثلاثة من المستمعين بعد أن أطنب الواعظ في الثناء على طعمه وبرودته. كل منا نقد البياع بمليم، ولكن الشيخ لم يدفع، والبياع لم يكن يتوقع منه الدفع. "سأروي لكم قصة عن أهمية القناعة حتى تتعظوا من حكمها". ارتحنا في الجلسة أكثر من السابق، مددت سيقاني وغطيت قنبازي بقماش الديماية المخططة، وأرخيت قشاطي عن وسطي قليلاً بعد أن تناولت سندويشاً من الفلافل. "من منكم يعرف لماذا خرج أبونا آدم من الجنة؟".

 "لأنه سمع كلام أمنا حواء". قال أحد المستمعين الصغار الجالسين تربعاً أمام الواعظ.

 "لأنه سمع كلام إبليس المنحوس". أضاف آخر. لم تكن هذه الإجابات التي أراد سماعها. هز رأسه نافياً بينما وضعت رأسي فوق كفي وغرست كوعي في الرمل ووضعت صرة حاجياتنا تحت إبطي. الآن يمكنه أن يسرد قصته، وبوسعي، إن مللت، أن أغط في النوم أيضاً.

 "لقد طرد آدم من الجنة بسبب ارتكاب خطيئة واحدة فقط. لقد أكل التفاحة من الشجرة المحرّمة، والتي جاء تحريمها من الله من دون تبرير. لكن هل تعلمنا، نحن الدرس من أبونا آدم؟". نفى بعض الحضور للواعظ أن نكون تعلمنا فأضاف: "كان يا ما كان، في رجل عمل لسنوات طويلة في قطع الحطب وتعذب وعانى من هذا الشقاء الشيء الكثير. بدل أن يحمد ربه على نعم الحياة والبصر والسمع، بلغ به السخط على واقعه حداً جعله يقرر الانتقام من "أبونا آدم" الذي أنجبه وتركه يعاني من متاعب هذه الحياة. جمع الرجل الحطب ليحرق عظام النبي آدم. قبل أن ينفذ جريمته أرسل الله له ملاكاً على هيئة رجل، ونقله الملاك من حياته الشقية إلى بستان يشبه الجنة واشترط عليه ألا يعترض على شيء. لكن الرجل خرق ذلك الشرط واعترض على ارتفاع صوت العصافير. هكذا أعيد إلى الشقاء، فندم وأخذ يلحّ في الرجاء ليعود إلى البستان فعاد بشرط أن لا يعترض. لكن ماذا؟" سأل الواعظ وسمع من قال له إنه اعترض. " نعم اعترض وتكرر ذلك ثلاث مرات طرد فيها من البستان وأعيد إليه. في المرة الرابعة قال له الملاك: أبوك آدم أخطأ خطيئة واحدة وأنت خطية في خطية في خطية، ظلك في هالعيشة تاتموت".

قضيت بقية الصباح والظهر مرتخياً في معرشات الزجالين والرواة، وتزودت بين الحين والآخر بالكعكبان وكرابيج حلب من دون أي رحمة لأمعائي. وبعد تناول الغداء نزلت مع أحمد إلى الوادّ واتجهنا غرباً نحو البحر. الجو ألطف في الواد، إذ في الأرض بقية رطوبة، وتكثر الأشجار البرية التي تنشر ظلالها. كان بوسعنا اكتراء حمار من قرب الجامع إلى الشاطئ، لكني أردت النوم لساعتين في الواد حيث أغرتنا شجرة توت على الاستراحة في ظلها. لم تكن تحمل أي ثمار مع أنها لم تنفض أوراقها.

بعد العصر وصلنا إلى مصب الواد في البحر حيث تجمعت عشرات الخيول استعداداً للسباق اليومي في هذه الساحة الفسيحة، وجلس المتفرجون على ضفتي الواد. الفرسان لبسوا بناطيل البريكنز الواسعة من الأعلى والملفوفة على السيقان. انتعلوا جزماً جلدية طويلة، أما قمصانهم فكانت متنوعة متعددة الألوان، وعلى رؤوسهم حطّات بيضاء وعقل سوداء، بعضهم ترك الحطات متدلية على كتفيه وقلة منهم لفّت الحطة فوق العقال. مسافة السباق كانت لا تزيد عن خمس مئة متر حتى لا تغيب الخيل عن عيون المتفرجين. اتجهوا شرقاً بسرعات مختلفة تحضيراً للشوط الأول، وانطلقوا من صف واحد بإشارة من حامل علم أخضر اللون. في أقل من دقيقتين تشكل ما يشبه السهم من المتقدمين والمتخلفين. تصفيق وهتافات حتى وصل نصف المتسابقين إلى خط الهدف وكانوا يتحوّلون نحو ساحة أصغر إلى اليمين، بينما اتجهت البقية إلى اليسار وترجّلوا عن خيولهم. عاد الفائزون إلى نقطة الانطلاق وتكررت العملية، وأعلن أن الفائز الليلة هو محمود البدرساوي، من سكان قرية بيت داراس في منتصف الطريق بين النبي روبين وبربرة. هذا الأمر لن يسرّ الكثير من خيالة يافا واللّد والرملة أصحاب الخيول المدلّلة. وفي السنوات الماضية كان الكثير من شبان بدو الملالحة يفوزون في المسابقات اليومية، فهم سكان قرية النبي روبين، وخيولهم تعرف المكان، كما أن الشبان كلهم نحاف الجسم وقصار خفاف الوزن. قبل المساء اكتريت حصاناً وعدت راكباً فوق ظهره مع أحمد، ورافقنا البدوي على حصان آخر عبر الواد. في أقل من نصف ساعة كنا إلى جانب الجامع في هذه البقعة المزدحمة بالبشر، وكل غايتهم المتعة والسمر.

***

  مقتطفات من فصل :                                         

                                                               بين امبراطوريتين

 

تعطلت الشاحنة قرب قرية يبنه، ولم نكن قد ابتعدنا كثيراً عن النبي روبين. قبيل ذلك، أي أثناء الظهيرة، كان السائق قد أنزل في روبين ركاباً مع خيامهم، واتفقت حينها معه أن يحملنا إلى بربرة في طريق عودته إلى غزة لجلب زوار جدد إلى الموسم. دار حول الشاحنة ثم استقر عند مقدمتها وفتح غطاء الموتور، وأخبرنا أن تصليح الأعطال سيتم خلال ساعة، إن شاء الله. كنا خمسة ركاب فقط، وتجمعنا خلفه لمعاينة المحرك المعطّل. بعد دقائق ملَّ الآخرون من النظر إلى الحديد وبقيت وحدي كي أساعده. فكَّ الكاربوريتر وعمل على تنظيفه بالبنزين وهو يشتكي من كثرة الرمال التي تصل إلى كل مكان. أخبرته بمعرفتي لبعض شؤون السيارات ورغبتي في تعلم القيادة قريباً. وعندما أعاد كل شيء إلى مكانه طلب مني أن أجلس في الكابينة وأضغط على دواسة البنزين بينما هو يضرب المانويلا في مقدمة السيارة. من المفترض أن يقوم معاونه بلف المانويلا، ولكنه قال إنه سمح له بالبقاء في روبين ريثما يعود بالركاب من غزة.

تحركنا مجدداً باتجاه الجنوب وبقيت جالساً إلى جانبه بعد أن تعارفنا وأخبرته عن وضعي في يافا.

 "تبدو صغيراً في السن بالرغم من طول قامتك". لم أخبره عن عمري، بل سألته أن يخمِّن، فأضاف حسن بامية، أبو يوسف، مخمناً: "بين السبع والثماني عشرة سنة". ضحكت وأخبرته بحقيقة عمري فلم يصدق.

 "أحلق شنبك والبس حطة سوداء وستبدو أكبر سناً، ولو لبست افرنجي بدل الديماية يمكن أن تدعي أنك عشرين سنه". استمعت إليه بشوق وأنا أراقب كيف يقود شاحنة الماك هذه.

 "هل اللبس الإفرنجي ضروري لقيادة الشاحنات؟".

 "لا طبعاً، ولكنه أسهل للقيادة. أنظر كيف يمكنك أن ترى الدواسات، ولا يعرقل البنطلون حركتك أو يشبك هنا وهناك عند النزول والصعود من الكابينة".

توسع حديثنا إلى تفاصيل مهنة قيادة السيارات، وعرفت أن عليَّ تعلمها بواسطة سائق يملك شاحنة، وبالتالي العمل كمساعد له ريثما ألمُّ بالأمر. وقال إن القانون الإنجليزي يحتِّم أن يكون صاحب الرخصة بالغ الرشد، يعني فوق واحد وعشرين سنة. هذه المعلومة سبّبت لي الغمّ، ولكن نصيحته لي بتغيير اللباس أعادت الأمل إلى قلبي. ومجدداً أغمَّني حين قال إن رسوم الرخصة عشرة جنيهات كل سنة، ثم تنهدت الصعداء عندما أكّد لي أن أصحاب السيارات يساهمون في مساعدة السائق على دفع الرسوم، لكن معظم السائقين هم أصحاب للسيارات التي يقودونها.

 "إذا تعلمت القيادة وتصليح الشاحنات عند الإنجليزي يمكن أن أعطيك شغل معي". قال ضاحكاً بين الجد والمزاح وهو يتوقف قبل بركة بربرة الشرقية.

 "سأزورك في يافا، وأواصل التعليم عندك". صافحته ورفض أن يتقاضى الأجرة، والأهم أنه لم يعترض على اقتراحي. لكن ذهني انشغل طوال الوقت بضرورة اختصار زمن الانتظار.

مررنا عبر المقبرة حيث كانت بعض الأبقار تتمرغ في مدافن دار حماد. لم يُظهر أحمد أي خوف كون الوقت عصراً، ولم يتردد حين اتجهنا إلى وسط المدافن صوب قبر الوالدة لقراءة الفاتحة على روحها، كما زرنا قبر جدي الذي أحمل اسمه، بينما أحمد يحمل اسم والد جدنا. عرجنا على الجامع ووجدت عمي الشيخ عبدالله وابنه فهمي وابن أخيه خليل جالسين فوق الحصر قرب ضريح الشيخ يوسف البربراوي. كانت بعض أواني الزيت حول الضريح توحي بأن بعض النسوة قد تبرعن بها حديثاً، ربما طلباً لعلاج من مرض أو لوقاية أولادهن من مكروه. واللواتي لا يقدرن على التبرع بزيت الزيتون أو بالحصر يمكنهن التبرع بعدة جرار من الماء ينقلنها من البئر إلى خزان الجامع. لم يكن هناك أيّ من الأغراب في غرفة الضيوف بمحاذاة باب الجامع، وعندما يتواجد زائر فإنه يحصل على طعامه من أحد بيوت القرية.

أخذ عمي الصحف والمجلات، وسأل عن أخبار يافا، ثم أضاف قبل تلقي إجابة بأن الأفضل التحدث غداً. كان يريد الاطلاع على ما حملته إليه، ولكنه برَّر رأيه بأنني متعب وأحتاج إلى الراحة. الحركة عامرة في القرية قبل المغرب، فعبد الرحمن أبو ضباع جلس أمام دكانه على الطريق المؤدي إلى الجامع، ومقابله دكان أبو السكر وهما يؤمّنان متطلبات الجهة الشمالية من الحارة الشرقية، حيث دار حماد ودار أحمد ودار الشريف وبعض أولاد أبي ضباع، ودار السلطان. أما ناجي أبو نحل ومحمد عيد فقد اختارا لدكانيهما الموقع المتوسط في تقاطع الحارة الشرقية، وهناك أيضاً سلمنا على الحلاق أحمد أبو العسل. لم يكن أي منهم قد أضاء فوانيسه حتى الآن. واصلنا الطريق الرملي جنوباً بعد سكنى دار أبي نحل حيث تقطن حمولتنا، وفي هذا الشارع توجد دكان أحمد أبو عدوان. لم يتغير أي شيء هنا منذ آخر زيارة قبل ثلاثة أشهر. استوقفنا عمي حمودة قبل أن نعرِّج شرقاً نحو البيت، وهو عموماً لا يترك أحداً يمرّ في الشارع من دون أن يصرّ على استضافته، وبالتالي ترك عمله في النجارة ريثما يتبادل معه الأخبار ويقدّم له مشروباً على أقل تقدير.

 ...............

   "هل تثق في الإنجليزي إلى درجة ترك نقودكم عنده؟" سألني أبي ونحن في الطريق إلى منزل ابن عمه.

 "ليس كل الإنجليز لصوصاً. إنهم مثل كل الناس فيهم الصالح وفيهم الطالح. هل تثق أنت في كل أهل بربرة، أو حتى في كل أبناء حمولتنا؟". أوضحت لأبي اقتناعي بأن الرجل يريد المساعدة، وأنني أسجل كل مستحقّاتي لديه، وإن أي شيء يُحسب لأحمد هو إضافة طوعية لأنه عملياً يأكل ويشرب ويعمل على تسلية زوجة الإنجليزي.

قفزت سعاد عبر عتبة الباب محاولة الإمساك بالديك لحشره في الزريبة، وساعدها أحمد في اصطياده. كانت أصغر منه بسنوات قليلة، وأتذكر عرس زواج أبيها، عبد الحفيظ، من أمها، زهية، قبل عشر سنوات.

 "أهلاً أبو حسين. الشباب ما شاء الله صاروا عرسان". قال عبد الحفيظ وهو يستقبلنا. "بالأمس كانوا في عمر محمد علي، واليوم بدهم عرايس". مبالغة يجب تقبلها إيجابياً، ولكني تذكرت حديثاً استمعت إليه في يافا مفاده أن الإنجليز عازمون على رفع سن الزواج للفتيات من تسع إلى أربع عشرة سنة كما هي الحال عند المسيحيين الفلسطينيين.

 "حسب القانون التركي أحتاج إلى عامين آخرين قبل الزواج". عقّبت على كلام عمي وأنا أنظر إلى ابنه، الذي كنا مثله بالأمس، ولا أظن أنه تجاوز الثالثة من عمره. "الإنجليز سيغيرون القانون وسيرفعون سن زواج الفتيات، ويعتبرون أن من حق الرجال الزواج في سن السابعة عشرة، ولكنهم يعتبروننا بالغي الرشد بعد سن الواحد وعشرين". ضحك الحضور ونحن نتصافح قبل الجلوس.

 "الإنجليز ملاعين". قال الشيخ عبدالله "لا بد أن لهم سبباً سياسياً لتغيير القانون التركي شوية شوية. قبل عامين، عندما أرادوا انتخاب مجلس تنفيذي يهودي عربي مشترك لإدارة البلاد، قالوا إن حق التصويت للرجال فقط، ولمن بلغ منهم سن الخمسة وعشرين، وعمر المرشح يجب أن يكون فوق الثلاثين. هل تعرفون أنهم شرعوا سن الرشد في الهند بثمانية عشر عاماً، حتى يأخذونهم للجيش. طبعاً هدفهم هنا الحد من عدد العرب في الانتخابات، والآن يريدون تغيير قانون العائلة ليحدوا من عدد الفتيات في سن الزواج".

 "كمان سنتين سيطالبونا بإنجاب ولد وبنت فقط". أضاف أبو محمد علي.

 "أنا ملصت منهم الآن بولدين وبنتين". أضاف أبي، ثم سكت فجأة.

ما كاد رمضان ينتهي من توزيع فناجين القهوة السادة حتى طرق الباب عدة زوار حضروا سوياً من الجامع ليباركوا لأبي بعودتي وأخي سالمين، والاستماع لآخر آخبار يافا. تقدمهم الشيخ ربيع أبو نحل وتبعه الشيوخ، عبد الهادي الأشقر، محمد صالحة، السيد أبو شرخ، وإمام الجامع الشيخ عارف أبو مريم. اقترب عددنا بالإضافة إلى من كان معنا من رجال الحمولة لأكثر من عشرين، ستة منهم من جيلي. أخذ موسى حسن مسؤولية توزيع فناجين القهوة، بينما أبو عبد الحفيظ لا يكف عن تحريك النار حول البكارج.

 "حسبنا الإنجليز يكونوا أحسن من الأتراك وأصحاب الأتراك. طلعوا مثل خرية مقسومة بخيط". علت الضحكات والتأييد لمقولة عمي حسان، أبو عودة، ويبدو أن موقفه هذا كان مشهوراً في بربرة حول أطراف الحرب العظمى.

 "ماذا يجري في يافا ولم يرد ذكره في الصحف التي أحضرتها لي؟" سؤال من الشيخ عبدالله ليعطيني حق الحديث كمُحتفى به، وليعلن عن ملكيته لدسم المعرفة مما طالعه في الصحف والمجلات.

 "الصحف يا عمي مليئة بالسياسة والتكرار. لا أعتقد أنها تحدثت عن لقاء سري بين الحاج أمين وبين الملك فيصل الأول". شددت اهتمامهم بهذا السر الذي شاع في يافا قبل سفرنا بأسبوع، وشرحت لهم أن اللقاء مع ملك العراق حدث في سفينة رست في الميناء قبل مواصلة السفر إلى فرنسا. كان الجميع يحبون الملك نظراً لدوره الوطني في الثورة العربية ويعولون عليه المساعدة في استقلال فلسطين. "الذين شاهدوا الملك قالوا إنه مثل الهيكل العظمي وجلد وجهه غائر، وعظام ركبه بارزة من البنطلون".

 "هل كان المفتي وحده عندما زاره؟" جاء السؤال من السيد أبو شرخ، وكان معروفاً لأهل بربرة بأنه على علاقة مع المفتي، الذي أصبح الآن رئيس المجلس الإسلامي الأعلى. علاقتهم بدأت منذ ثلاث سنوات حين شارك في المؤتمر الوطني الخامس في نابلس.

 "لا أدري إذا حضر معه أناس إلى يافا، لكن اللقاء تم بين الرجلين على انفراد". لم يخفض الشيخ نظره عني فأضفت: "المعلومات أكيدة، حصل عليها زعيم عمالي شيوعي من زميل له يعمل في الميناء، وتحدث في الأمر مع من أعمل معهم". ضاعت أهمية التأكيد بين الدعوات بالشفاء والعودة الموفقة للملك فيصل.

 "واليهود؟ شو أخبارهم في يافا وتل أبيب؟" سألني الشيخ عارف أبو مريم وقد أزاح العمّة عن رأسه طلباً لنسمات هواء تجفف العرق.

 "شو! يشترون الأرض، ويزيد عددهم كل يوم". قال رمضان حسن متطوعاً بالإجابة وأضاف: إنه إذا استمرّت هذه الحال عشرين سنة فلن يبقى للعرب شيء في فلسطين. وعلى الرغم من حداثة سن رمضان إلّا أن كلامه رسم وجوماً وتأييداً على الوجوه.

 "ما عدا موضوع الأرض وبناء الكبانيات..." قلت لاستعادة زمام التفرُّد ببعض المعرفة "... فإنهم يتوسعون في تل أبيب ويقيمون فيها عمارات عالية وشوارع عريضة وسياراتها أكثر من عربات الحصان". وبدون توقف أضفت: "شركة الكهرباء اليهودية الجديدة ربطت الشهر الماضي يافا بتل أبيب، وشوارع المنشية تضاء الآن بالكهرباء في الليل".

 "لو نبقى على اللمضة والنار ونتريح من اليهود والإنجليز أحسن". وافق الجميع وأيّدوا كلام الشيخ محمد صالحة، أكبر الحضور سناً وربما مقاماً. حتى من لا يوافقه هذا الرأي لا يمكنه الاعتراض لأن الشيخ كان عضواً في المجلس الإسلامي في اسطنبول أيام تركيا، ويؤكد أنّ السلطان كان ضد دخول اليهود إلى فلسطين، والمسؤولية كلها يتحملها الإنجليز.

 "من العجب العجاب الذي طالعته في صحيفة فلسطين أن واحداً أميركياً نجح في تجربة نقل صورة وجه إنسان من صندوق إلى صندوق آخر في غرفة مجاورة". قبل أن يكمل الشيخ عبداللة سمع من أكثر من فم كلمة "ساحر".

 "لا لا، الخبر له علاقة بصندوق الراديو الذي ينقل الأخبار بالصوت، وهذا المخترع يريد نقل الصور". اضطر الشيخ الأزهري إلى إعطاء تفسير عن الراديو الذي سمعه وشاهده في القاهرة حيث يقضي معظم شهور العام هناك في الأزهر. "صندوق يشتغل على بطارية سيارات، ويلقط الأخبار من الهواء ويذيعها".

 "وايش عرفه بالأخبار الصح من الغلط، وأين يجدها في الهواء؟" سأل سعيد محمد وسط ضحك وتأييد البعض، ومحاولة آخرين إظهار أنهم يعرفون بأمر الراديو. وسألني إذا كنت رأيت هذا الراديو في يافا. نفيت، وعاد الشيخ عبدالله يتحدث عن محطة بث ومحطة استقبال وايريال، ثم حسم الأمر بأن كل هذه الأشياء غير موجودة في فلسطين، وأكّد أنّ مصر ليس لها محطة بث، ولكن للإنجليز هناك واحدة جديدة، وهي تتحدث الإنجليزية. قال الشيخ: "الراديو عمره خمس سنوات، اخترعوه الأميركان، وقامت محطة في لندن قبل أربع سنوات وبعدها بعام محطة في فرنسا وأخرى في ألمانيا".

 "سيصل يافا كمان عشر سنوات وبربرة بعدها بخمس سنوات". علق عبد الحفيظ وسأل عبدالله عما وجد في الجرائد من أخبار جديدة.

 "الأميركان ينتقدون سياسة فرنسا في سوريا، ويقولون إنها تهدف لتمزيق البلد، وإن جمعية الأمم تسكت عما يفعله الفرنسيون في سوريا. وهم يشكون الفقر ويطلبون الدعم من أميركا، بينما ينفقون الأموال الطائلة على جيشهم. وقال مندوب برلماني أميركي عن الفرنسيين إنهم جلبوا الدعارة رسمياً إلى دمشق ويعتدون على أعراض النساء، وهذا يعارض المادة الثانية والعشرين من عهد جمعية الأمم التي بني عليها الانتداب".

 "شو اسم الأميركي الطيب هذا؟".

 "مستر لافوليت". أجاب عبدالله على سؤال عبد الحفيظ من دون أن يرجع إلى الصحف، ثم تحدث عن تقارير إخبارية حول توقع ثورة في سوريا.

 "الخبر الآخر..." واصل عبدالله تلخيصه لما يراه مهماً للمستمعين"... إن المؤتمر الصهيوني الرابع عشر الذي عقد الشهر الماضي في فيينا تبنّى اقتراح بإقامة مؤتمر يهودي عالمي ليحل بدل الوكالة اليهودية، وهدفهم من ذلك التناغم أكثر مع نص وعد بلفور".

 "أعطينا خبر كويس". قال عمي حسان.

 "الأدارسة والسعودية عقدوا اتفاق معاهدة حماية لمنطقة عسير ضد الغزوات اليمنية عليها وعلى الحديدة. وقَّع عن السعودية الملك عبد العزيز وعن عسير السيد حسن الإدريسي. هكذا تتوسع السعودية وربما يخاف إمام اليمن ويكف عن الغزو وتحقن دماء المسلمين هناك". لم يكن هذا ما أراد عمي سماعه إذ هزَّ رأسه انزعاجاً وهو يلف سيجارة من دخانه الخاص الذي منع الإنجليز استعماله، لتشجيع استهلاك دخان شركاتهم فقط.

 "هل تعرف يا أبا عودة فوائد الدخان؟" تطلع الجميع إلى الشيخ عبد الهادي الأشقر، وسأله عمي حسان عن تلك الفوائد.

 "المدخن لا يصاب بالشيخوخة، واللصوص لا يسرقون بيته، والكلاب لا تقترب منه". سكت عبد الهادي وفهم الجميع أن في الأمر سراً يحتاج إلى تفسير حكيم.

فتح عبد الحفيظ عينيه الكبيرتين الواسعتين عن آخرهما، ورفع حاجبيه وهو يعلن بصوت جهوري أنه فسَّر الأولى، وقال على الفور "الدخان يمنع الشيخوخة لأنه يؤدي إلى الموت المبكر..." حاول إكمال التفسير ولكن ذهنه لم يسعفه بسرعة.

 "ويمنع سرقة البيوت..." قال الشيخ ربيع "... لأن المدخن يسعل طوال الليل، فيظن اللصوص أنه سهران". سكت ربيع وعلى الأرجح أنه كان قد فسر اللغز الثالث، ولكنه فضل إفساح الفرصة أمام الآخرين.

 "أما منع اقتراب الكلاب من المدخن فهي الأسهل تفسيراً". وقبل أن يكمل السيد أبو شرخ حديثه أفلتت منه التفاتة إلى عكاز أبو عبد الحفيظ، فعم الضحك بين الحضور، وفسّر الذين فهموا للآخرين معنى الإشارة والعلاقة بين الدخان والعكاز والكلاب، وقال عمي حسان إن الذنب على من اخترع الدخان. قبل الانطلاق لتأدية صلاة العشاء في الجامع أكّد أبي وعمي على الجميع تناول الغداء غداً هنا.

عاد الجميع من الجامع إلى بيوتهم، ولربما اتجه بعضهم إلى مقعد حمولتهم، لكن الأغلبية من الرجال في ليلة الجمعة يعودون بعد صلاة العشاء إلى زوجاتهم. كامل أبو نحل وحسن الشيخ وأنا انطلقنا إلى بئر البلد ثم استدرنا جنوباً نحو الشارع العام باتجاه دير سنيد. الهلال يضيء المنطقة، وكل منا يحمل نبّوته لردع أي ضبع أو واوي قد يعترض طريقنا. لا هدف محدداً علينا الذهاب إليه في هذه الساعة، أردنا تبادل المعلومات، وآخر أخبار صبايا بربرة. كان من الممكن أن نبقى وسط القرية، على التبة، ولكن شيئاً من التحدي سحبنا معه، ولم يشأ أي منّا إظهار تردّد أو خوف بطلب العودة. حمل كامل النبّوت بالعرض على كتفيه وعلق يديه على طرفيه بينما نسمات الهواء تتلاعب بأطراف الديماية وتظهر قنبازه الأسود. أما حسن فكان يطلق المواويل كلما توقفنا عن الحديث، فهو يكره صوت السكون، أو يخافه، ولم يكف عن خبط النبوت بالأرض وكأنه رجل ثالثة. توقف عن موال ميجانا محوّر، وسألنا إذا سمعنا عن آخر تطورات أم شريف.

 

الصفحات الاولى من فصل :

نساء تل ابيب

طوال الطريق إلى الرملة لم يتوقف الركاب عن تبادل الأسئلة في ما بينهم، وتبادل أخبار الزلزال الذي أصاب فلسطين وشرق الأردن، يوم 11 تموز/يوليو، أي قبل أسبوع بالضبط. لم نشعر في يافا بأي حركة في الأرض، ولم تتهدم أبنية مثلما حصل في القدس ونابلس وعمان والسلط واللد والرملة. كنت سأقود الباص في رحلة العودة من الرملة إلى يافا حتى أتقن مهنة القيادة، وأتعرف إلى الطرق، وعلى الرغم من أنني أجلس إلى جانب السائق، إلاّ أنني كنت أستمع إلى أحاديث ركاب الرملة يصفون كيف خرجوا إلى الشوارع عندما شعروا بحركة الأرض تحت أقدامهم.

أوردت صحف يافا في الأيام الماضية تفاصيل عن الخسائر، وأكثرها في نابلس حيث قدرت من الخبراء الأجانب بخمسة ملايين دولار، وجرح 900 نابلسي. أما في القدس فقد تدمرت محطة القطارات وتصدع المسجد الأقصى وقبة الصخرة، ولو أنهما لم يتمّ ترميمهما قبل عامين فقط بتبرع من الشريف الحسين بن علي، لولا ذلك لما صمدا أمام هذا الزلزال الذي دمَّر ألف بناية إلى الغرب والشرق من نهر الأردن، منها فندق في القدس وقتل أكثر من 500 شخص.

 "إنه غضب من الرب". قال عجوز حاسر الرأس من بين الركاب، وسمعت همهمات من طراز، الله ارحمنا، يا لطيف، ثم أكمل العجوز وهو يمسح العرق عن جبينه: "لقد أوقف سبحانه وتعالى مياه نهر الأردن عن الجريان".

 "توقفت المياه ليوم واحد وعادت للجريان". قال شاب لبس طربوشاً ويمسك جريدة بإحدى يديه، وكنت قد سمعته قبل ذلك يقول إنه من سكان يافا وفي طريقه لزيارة أقاربه في الرملة للاطمئنان عليهم.

 "يوم أو أسبوع يا أخي، المهم أنها وقفت ..".

 "وقفت بسبب انهيار الرمال والحجارة التي سدت النهر، وعادت المياه وحدها بعد أن شقت طريقها". عاد الشاب متابعاً حديثه، مقاطعاً أحد أنصار فكرة العجوز بأن ما يحدث غضب إلهي وانقطاع المياه غضب إضافي. وقال الشاب أيضاً، إن منطقة وادي الأردن شهدت زلزالاً في عام 1923 لكن هذا الزلزال الآن، بعد أربع سنوات، أشد من سابقه، "ويمكن الزلزال القادم يدمِّر كل البلد، فنتخلص من طمع اليهود فيها".

 "يعني أنت لا تصدق أن ما يحدث هو غضب إلهي؟". أمسك العجوز بلحيته وواصل الحديث بتحدٍّ: "طيب ما سرّ صعود الدخان الأبيض من باطن الأرض في القدس القديمة؟".

يبدو أن الشاب كان ملماً بكل تفاصيل الزلزال وأخباره لأنه أخذ يشرح بصوت جهوري بأن صاحب كراج سيارات كان يصرّف دخان محرك في مواسير المجاري، وأن الدخان وجد طريقه عبر الشقوق إلى السطح فأرعب كل من شاهده أو سمع بالقصة المهولة.

 "صاحبنا بالتأكيد شيوعي" همس السائق في أذني بعد أن أشار عليَّ بالاقتراب، لكني تذكّرت إحدى قصص الشيخ عمر، شريكي في غرفة المنامة بالكراج والتي تنطبق على العجوز الملتحي. تقول القصة إن الذقن كلما طالت تدل على قلة عقل صاحبها. وقد قرأ أحد الملتحين هذا النص ليلاً، فأخذ لحيته بيده وقرب الفانوس مما زاد من ذقنه عن قبضته ليقصرها، فاشتعلت النيران فيها ووصلت إلى يده فرفعها وأصابت النار بقية لحيته ووجهه. بعد أن أنقذ الرجل ما تبقّى من الشعر على الوجه كتب على حافة الكتاب، إن هذا النص صحيح ومجرّب.

عدت، وأنا أبتسم، إلى التدقيق في أسلوب السائق وتعامله مع الماك، والتعرف على تضاريس الشوارع، وكنا قد تجاوزنا يازور وبيت دجن وخرجنا عن الشارع المسفلت واقتربنا من صرفند على طريق ترابي يثير الغبار من خلفنا.

بقيت كلمات العجوز عالقة في ذهني، فالسنوات الماضية كانت صعبة جداً، العمال في يافا لا يجدون عملاً، وحتى العمال اليهود من دون أشغال، لذلك ضاعفوا من التظاهرات مطالبين بطرد العرب من مزارع اليهود ومصانعهم حتى يأخذوا أماكنهم، ومن هو بحاجة إلى قرض من الفلاحين فعليه أن يرهن الغلة، وإذا لم تكن جيدة فقد يأخذ التجار أرضه، وهذا يحدث في كل القرى الآن. "غضب الرب" أصاب الأرض إذ أجدبت. وأصابنا قحط العام الماضي وهذا العام أيضاً، الجفاف في كل مكان وأصحاب المواشي يشتكون من قلة الغلة وارتفاع أسعار العلف، أما الأبقار فقد أصيبت العام الماضي بأمراض لم نكن نعرفها أو نسمع عنها. أتذكر نصائح الإنجليزي روبن الذي ساعدني في تعلم مهنة القيادة، وكيف كان يحثّني على شراء الأرض، إنها الآن بأبخس الأسعار، لكني ما زلت بدون راتب يذكر، اللهم إلاّ بدل الأكل والشراب والنوم في كراج الباصات. هكذا كان الاتفاق حتى أتقن المهنة وأتعرّف إلى الطرق لأتمكن من قيادة باص الماك وحدي ويصبح عندي معاون يربط حقائب الركاب على السقف، ويضرب بالمانويلا ويزوّد الباص بالماء وينظف الزجاج. كان لديّ شركة بامية خمسة باصات، واحد على خط يافا غزة، والثاني يافا القدس، والثالث يافا عكا وباصان من يافا باتجاه القرى في الوسط والجنوب وبين القرى أيام الأسواق.

قبل الزلزال بأسبوع مكثت في بربرة لمدة يومين، البركتان الشرقية والغربية كانتا جافتين من المياه على غير عادتهما، وكل بهائم القرية ومواشيها تشرب من الآبار، مثل بقية الناس. ورأيت أن أهل البلد قد تشاركوا في تعزيز الدفاعات ضد زحف الرمال على الأراضي الزراعية من الغرب والشمال. لقد أزالوا الرمال وأقاموا منها سداً زرعوه بصفوف متراصة من ألواح الصبار.

حدثني عمي حمودة أنه لم يعد يذهب إلى بئر السبع لشراء الأغنام، لأن البدو صاروا يرعون مواشيهم شمالاً ويعرضونها بأسعار أرخص من زمان كون العشب عندهم قد خف بسبب القحط، لكن أهل بربرة واللحامين الثلاثة لا يشترون الكثير من الأغنام الآن، لأن نقود الناس قلَّت والكل يعتمد على إنتاجه الذاتي من دواجن ولحوم   ....

مقتطفات من فصل :

يا ريتهم قسَّموا

 "كانت الطيارة جاية فوق البحر وقبل ما تصل المجدل صاروا المصريين يطخوا عليها". قالت وهي ترتجف وسط النساء اللواتي تجمّعن للاستفسار. "بعدين لفت راجعة ورمت القنابل علينا في وسط البلد". لقد وصلت للتو مع أطفال ونساء أخريات إلى بربرة المجاورة لقريتها، الجورة، وحلّوا ضيوفاً عندنا، في بيت المختار، ثم توزعوا عند بقية عائلات بربرة. في الأسبوع الماضي وصلت عائلات هاربة من المجدل خوفاً من غارات الطائرات اليهودية، وكانت واحدة من النساء تولول "يا ريتهم قسموا".

 "ليش قالت المجدلاوية يا ريتهم قسموا؟" سألت حينها زوجي، المختار.

 "لأن المجدل، ويافا الأبعد منها ونحن في بربرة وحتى رفح والعوجا، تقع في الجزء العربي من قرار التقسيم". تنهد المختار وأضاف ما معناه إن يافا وحيفا وعكا والشمال كله راح لليهود قبل أن تدخل الجيوش العربية، أو تغادرنا قوات الإنجليز.

 "يعني في خطر تروح المجدل وبربرة كمان؟"

 "خليها على الله يا أميرة، إنت شايفة، أول ما دخل العرب من شهرين جمعوا السلاح من الناس، وكل المنطقة الشمالية من عندنا إلى يافا كان ما فيها يهود، لكن الجيش المصري وصل اسدود وانسحب إلى المجدل وهو يرفض التقدم في مناطق عربية تماماً، واليهود يقصفون المنطقة، بين فترة وأخرى، بالطائرات. بربرة والمجدل تعجّان بالناس الهاربين من زرنوقة والقبيبة وهوج، وأهل اسدود وبيت داراس وحمامة وجولس وكوكبا، كلهم لحقوا بالجيش المصري عندما انسحب من اسدود إلى المجدل. أهل حته وكرتيا وعراق سويدان نزحوا تحت الفالوجا على برير وسمسم لأن الجيش المصري دخل الفالوجا ولم يتقدم شمالاً ليكون بموازاة المجدل في الغرب".

 "لو هجم المصريون على تل أبيب كان أحسن، الطيارات لن تضربهم عند اليهود، وجنود اليهود سيحضرون من الجبهات الاخرى للدفاع".

 "صدقت يا مسعود، بدل ذلك جلسوا لتلقي الضرب، العرب يحترمون الهدنة واليهود يعملون كل ما يستطيعون أثناء هالهدنة، مثلما حصل في شهر حزيران". قال زوجي لمسعود وهو يغادر البيت عصراً، لم يركب الفرس البيضاء، ولم يشغل الجيب. منذ سقوط يافا قبل شهر ونصف والمختار دائماً "زهقان ومكشر ويستعيذ بالله مما سيأتي، ويتندم على رفض الفرص والحلول السابقة، وكأننا على حافة يوم القيامة". لم يبتسم إلّا للفرس عندما كان يأخذها في جولات قصيرة على الحواكير، ولكنه خرج اليوم سيراً على قدميه.

مسعود هذا طفل سعودي عمره عشر سنوات جاء متطوعاً للدفاع عن فلسطين. وصل مع رجال سعوديين إلى بربرة قبل دخول الجيش المصري بكثير، وعندما شاهده المختار طلب من جماعته أن يتركوه عندنا في البيت ريثما تنتهي الحرب، وأصبح زي واحد من أولادنا. سألته بعد أيام من إقامته عندنا لماذا جاء إلى هنا، فقال: حضروا إلى المدرسة وتحدثوا عن فلسطين وخطر اليهود، فسألونا: من يتطوع للقتال، فتطوعت مع بقية أولاد الصف، ووزعونا مع متطوعين أكبر في السن وحضرنا عن طريق مصر. كان أحياناً يسهر معي أو مع ضرتي، أم مطر، في العلية ونحن نحرس حارتنا في الليل. كان يسأل لماذا ينام رجال بربرة بينما نساء المختار يحرسن القرية ومعهن قنابل وبنادق. كنت أجيبه إن نساء المختار لا يشتغلن في الأرض مثل بقية السكان الذين يمنعهم الإرهاق من السهر. ولكن أم مطر كانت تحكي له كل شيء عن طبيعة البعض في القرية وإنهم ليسوا رجالاً، وكل واحد من هذا النوع همه نفسه، ولا يتَّحدون مع الآخرين إلّا في أوقات الشدة والمصائب. وأحياناً كانت تحدثه عن واجبات المخترة ومسؤولياتها، وإن الحراسة إحدى تبعاتها. كان كلامها صريحاً، والصحيح أننا كنا نعمل في الأرض أكثر من الرجال، لكن منذ بداية الحرب طلب منا المختار الاعتناء بحاكورة البيت فقط ومناوبة الحراسة من فوق العلية في الليل، وهذا أحسن بكثير من شقى شغل الأرض. ولو أننا كنا نذهب مع الثوار فإن ذلك أحسن وأحسن حتى نرتاح من العناية بالبقرات السّبع والفرس والحمارة وابنها والطبيخ والنفيخ والعناية بالحاكورة، ننكش ونزرع بطيخاً وبطاطا ونخدم دوالي العنب وأشجار الخوخ والتفاح والزيتون واللوز؛ طبعاً أنا وضرّتي لا نذهب إلى الحصاد لأن هناك عمالاً للقيام بهذا العمل وثلاثة رعيان لرعاية الغنم. لكن شغل الحاكورة والبيت يهد الحيل هو الآخر، تربية دواجن وأرانب وحمام وعمل جبنة من الحليب، والآن نوبة حراسة بين ليلة وأخرى. ........

.............

 "وليش إحنا ما نشتري طيارات ومصفحات الإنجليز؟" عاد عودة يسأل.

 "آخ آخ" قال الشيخ ربيع ومطّ في الآخ الأخيرة تعبيراً عن الأسى. "مليون سبب يا عودة. مصاري اليهود أكثر من مصارينا، واليهود خلقهم الإنجليز وإحنا خلقنا ربنا، واليهود إلهُم من الحرب العالمية الأولى والثانية مع الجيش الإنجليزي يتعلمون ويتدرّبون على كل شيء، واحنا ما عنا ولا طيار، والإنجليز والأميركان والشيوعيين كمان، يحسبونا في فلسطين على العرب اللي عندهم جيوش ولهم جامعة دول، ويقولوا اليهود كانوا وحدهم، قلة من الناس الفقراء بدون أسلحة ينتظرون هجوم ملايين العرب عليهم بعد رحيل الإنجليز".

 "والمصريين ما عندهم طيارات؟".

 "عندهم يا ابني لكن ما في عندهم بنزين". قال أبو عودة لابنه.

 "امبارح قال الراديو إن جريدة الأهرام كتبت إن الإنجليز صادروا منا في سنوات الإضراب والثورة الأربع بعد الـ 36 تعرفوا كم بندقية ومسدس؟" صمتوا بانتظار أن يكمل الشيخ ربيع ما سمع، ولكن موسى السلطان قال ستة آلاف، ثم صمت ليسمع الاجابة.

 "6371 بندقية و3220 مسدساً و1812 قنبلة، لكن ما صادروه قبل وبعد ذلك غير محسوب".

 "كويس أنك حفظت شوية من الرقم". قال رمضان لأخيه موسى ودعا الله أن يخرب بيت الإنجليز ويذلهم بين شعوب الأرض.

 "الأميركان معنا أو مع اليهود؟" سأل سلفي أحمد، الشيخ ربيع.

 "الأميركان مع اليهود وباعوهم عشر طائرات، والإنجليز مع اليهود وباعوهم 22 طائرة، والشيوعيين مع اليهود وباعوهم 20 طائرة. عندهم طيارات كثير وقوية، وإلّا كيف أغاروا من الجو على عمان ودمشق بعد أسبوعين من إعلان دولة إسرائيل!".

 "لكن رئيس أميركا مع التقسيم، ويمكن يضغط على اليهود يرجّعوا المدن والمناطق التي احتلوها خارج حدود قرار التقسيم".

 "في المشمش". قال أبو عودة رداً على تخمين أحمد.

 "لما تقوم عمتي عايشة من القبر". قال حسن الشيخ.

 "هذا الكلام يا أحمد فات أوانه". قال الشيخ ربيع وأكمل: "بعد زيارة اللجنة الإنجليزية الأمريكية لفلسطين واللقاء مع أحمد عزام في القاهرة أواخر عام 1945، اقترحت اللجنة قيام دولة مستقلة للعرب ولليهود سوياً من دون تقسيم فلسطين على أن يفتح باب الهجرة لليهود. قياداتنا والعرب رفضوا هذا الاقتراح في حينه وفي العام التالي أثناء انعقاد مؤتمر المائدة المستديرة في لندن". واستطرد الشيخ من دون أن يسأله أحد عن سبب الرفض انذاك: " كان همّ كل العرب وقف الهجرة بقرار بريطاني وبالطبع منع انتقال الأراضي لليهود، ولم يتمعن أي عربي في إيجابيات دعم أمريكا وبريطانيا لإقامة دولة مشتركة. ساد لدينا الخوف أن العالم يريد إرسال كل يهوده إلى فلسطين، وانعدمت الثقة في بريطانيا. قال الملك ابن سعود آنذاك إن اقتراح اللجنة يعني قيام دولة يهودية ستكون ضربة قاتلة ضد كل العرب وتهدد السلام في المنطقة. اقترح العرب بالمقابل قيام دولة فلسطينية يأخذ فيها اليهود حقوق الأقلية وتمنع الهجرة، وهذا رفضه الإنجليز والأميركان. وحتى في مؤتمر لندن اقترح الإنجليز قيام دولتين، عربية بحصتين، ويهودية بحصة جغرافية من فلسطين، ولكن العرب رفضوا، ولذلك، ولأن بريطانيا أضعفتها الحروب وثورات مستعمراتها قررت إعادة القضية إلى الأمم المتحدة، يعني للدول المنتصرة في الحرب". كان الجميع قد صمتوا أثناء سرد الشيخ لهذا التاريخ الموجز والحديث. بعد ذلك، فتّش الشيخ في جيوبه وأخرج قصاصة جريدة قال إن فيها ما قاله عبد الرحمن باشا عزام للوفد الأميركي حين سألوه عن تشنج العرب ضد اليهود الساميين مثلهم والخارجين للتو من الاضطهاد النازي. أخذ الشيخ يقرأ:

 "أخونا اليهودي هاجر إلى أوروبا ويعود إلينا الآن بشكل مختلف. يعود كيهودي روسي وألماني وبولندي وبريطاني، يعود بأفكار غريبة جديدة تماماً. اليهود أبناء عمومتنا القدماء يعودون بأفكار امبريالية، بأفكار مادية، وبأفكار رجعية أو ثورية ويحاولون حيناً بدعم بريطاني والآن بدعم أميركي وأحياناً بإرهابهم الخاص، يحاولون اضطهادنا. لم يعد هذا هو ابن عمنا اليهودي الجيد، لذلك فلا نرحب به. إن الصهيوني اليهودي الجديد يعود ليحكم ويدعي أن لديه مهمة حضارية ضد الرجعية والأمة المتخلِّفة، وإن عناصره هي التقدمية في منطقة متخلفة. العرب يقولون له بوضوح، لا. نحن الأمة العربية لسنا رجعيين أو متخلفين ولن نسمح لأحد بالسيطرة علينا سواء كان قوة عظمى أو أمة ممزقة".

 "وإحنا تحمسنا آنذاك واعتقدنا أن العرب سوف يناصرونا ويحاربوا معنا بعد رحيل الإنجليز، وإن هزيمة اليهود مضمونة". قال أحمد وهو ينظر إلى المزودة ويعبث في شراشيبها، وكان الآخرون يهزون رؤوسهم ويمصون شفاههم.

(عودة لاعلى الصفحة)