الراوي عدوان      

 


 

 

سياسة في الجنة

مقدمة

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرِىءٍ ما نَوى، فمَن كانت هِجرتُه إلى اللّهِ ورسولهِ فهِجرَته إلى اللّهِ ورَسولهِ، ومَن كانت هِجرتهُ إلى دنيا يُصيبُها أو امرأةٍ يتزَوَّجها فَهجرَته إلى مَا هاجرَ إليه."

    من نافل القول أن هذه الرواية الفلسفية التي بين أيديكم، هي رواية خيالية فيما يخص حدوثها. لكن خلفيتها تعتمد على ما ورد في كتب سماوية واحاديث نبوية، ومعتقدات سائدة بين البشر حول الجنة والنار. أهل الجنة سيرون من نعيمهم كل شئ، ويروننا نحن اهلهم واقوامهم وابناء وبنات اديانهم، ولكننا لن نراهم وان كنا نعرف بعض مواصفات الخلود الذي به بعد يوم القيامة سيتمتعون.

     يقول ابن الجوزي: "إخواني تفكروا في الحشر والمعاد، وتذكروا حين تقوم الأشهاد: إن في القيامة لحسرات، وإن في الحشر لزفرات، وإن عند الصراط  لعثرات، وإن عند الميزان لعبرات، وإن الظلم يومئذ ظلمات، والكتب تحوى حتى النظرات، وإن الحسرة العظمى عند السيئات، فريق في الجنة يرتقون في الدرجات، وفريق في السعير يهبطون الدركات، وما بينك وبين هذا إلاَّ أن يقال: فلان مات، وتقول: رَبِّ ارجعوني، فيقال: فات."

    أذا شاءت حكمة الله ان توجد جنة، قبل القيامة، لمختارين ممن تغمدهم برحمته، فماذا يقولون يا ترى وهم يراقبوننا ؟ في هذه الرواية يمنح الرحمن اهل هذه الجنة القدرة لرؤية الماضي منذ ان خلق أبونا وأمنا، أدم وحواء، ولكنهم لا يرون المستقبل، وبالتالي يجهلون مصيرنا على الارض، وبالطبع فهم لا يعرفون موعد يوم القيامة، بل انهم مترددين اذا ما كان عليهم تمني اقترابها او تأخيره.

     هل تؤثر مشاكلنا على الارض في يومهم وعلى أفكارهم ؟ هل تختلف رؤاهم حول طرق الاصلاح او الحلول الممكنة للقضايا الارضية ؟ كيف تفكر نساء الجنة الانسيات تجاه وضع أخواتهن على الارض وتجاه حور العين ؟ ثلاث تساؤلات من عشرات غيرها تتعرض لها هذه الرواية المفتوحة زمنياً منذ بداية التكوين وحتى  ما قبل انتهاء عدوان اسرائيل على لبنان صيف 2006.

     قضايا هذه الرواية ليست عربية صرفة او سياسية بحته، وابطالها كثر جداً وأحُضروا من كل زمان ومكان. ذكور واناث، منهم قيادات سابقة، وفلاسفة، وجنرالات، وشيوخ، واناس عاديون بالطبع. بعضهم شخصيات ممن تقطن طبقات الجنة المئة، وغيرهم شخصيات تم استدعائها من جهنم، او من القبور، او من جنات النصارى واليهود، ليشاركوا في مؤتمر حول يوم القيامة.

     إن مواضيع الجنة تهيمن على ذهن كل المؤمنين، والتطرق الى بعضها بهذا الاسلوب الروائي غير المطروق في السابق، سيبقى ناقصاً حتماً، مهما توسعت الشروحات. في كل الظروف فهذه الرواية كتبت بحسن نية، وعلى أمل تحريك حوار ذاتي، او جماعي، مفيد في قضايا ارضية حياتية سياسية وفلسفية. أما اتخاذ الجنة كساحة للرواية فقد فتح ايضاً المجال  للقاءات لا يمكن ان تحصل في مواضع أخرى، واتاح متابعة شيقة للماضي ومراقبة للحاضر الارضي، لنرى ان البشر يدٌورون مشاكلهم ويكررونها عبر التاريخ، وانهم لا يتعظون.

    قال ابو حامد الغزالي: "... وإن كانت نيتك وقصدك، بينك وبين الله تعالى، من طلب العلم: الهداية دون مجرد الرواية؛ فأبشر؛ فإن الملائكة تبسط لك أجنحتها إذا مشيت، وحيتان البحر تستغفر لك إذا سعيت. ولكن ينبغي لك أن تعلم، قبل كل شيء، أن الهداية التي هي ثمرة العلم لها بداية ونهاية، وظاهر وباطن، ولا وصول إلى نهايتها إلا بعد إحكام بدايتها، ولا عثور على باطنها إلا بعد الوقوف على ظاهرها."

     وجاء في صحيح البخاري قول مجاهد، رحمه الله: "لا يتعلم العلم مستحي ولا متكبر." وفي نفس الاتجاه جاء في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها: "نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين."     

    الله حق، والجنة والنار وعد الهي، وكذلك الثواب والعقاب في الدنيا والاخرة. الحذر كل الحذر مستوجب من المبالغين في الوصف وفي التفسير. قد تكون غايتهم التجميل، ولكن النتيجة هي الابتعاد بالثوابت عن المنطق، والتغرير بالعقول، والمساهمة في بناء الاصولية المتعصبة الهدامة. أسأل الله ان يحقق الهدف من هذه الرواية، وأن تنال تفهم القراء، حتى وان بدت طريقها متعرجة متفلسفة.                      

                                        الاندلس، ملقا، اغسطس 2007

****

 

 

القوامات

    "انا سعيد جداً بشرف اللقاء معك كلما زرتي طبقتنا، ولو سُمح لي لزرتك في الفردوس، والله عليم بما أكنه في قلبي لآل البيت، وهو الحكيم في أوامره وتكوينه لجنة الخلد."

    "لا بأس عليك، والطبقة السابعة مليئة بأهل الخير ممن خدموا ربهم وشعبهم وغُفرت لهم اخطاؤهم. النار بكل درجاتها مليئة بالحكام والملوك والمسؤولين الذين لم تُغفر لهم سيئاتهم بعد." تنبه ياسر الى هدؤ مشوب ببعض القلق في نبرات نفيسه التي كان يزور مقامها في القاهرة ايام دراسته هناك، واصبحت تزوره كلما مرت على طبقته من الجنة.

    "هل يصدق حدسي لو قلت ان تذمر النساء لا زال قائماً، ومساعيكِ الحميدة لم تثمر بعد؟"

    "صدقت، وربما عجزت عن اقناعهن. كلامهن كثير وثقيل، ولا يستوعبن العواقب. بعضهن يُظهرن عدم الاهتمام لاحتمال تنزيلهن الى ادنى طبقات الجنة، واخريات يعتبرن ان الخلود يثبت الطبقات او يرفعها، ولكنه لا يخفضها. لا يوجد بينهن من تظن باحتمال الخروج من الجنة."

    "يبدو انهن يعرفن حقوقهن تماماً، ويتمردن على الواجبات. هذا مخالف للديمقراطية."

    "هذه الديمقراطية .." تنهدت نفيسه وازاحت بكفها بعض حبات اللؤلؤ فوق التراب الزعفراني ثم واصلت: ".. هذه الديمقراطية هي سبب المشكلة. ينظرن الى ما يجري على الارض ويطالبن بالمساواة مع الرجال في السماء."

    "لكن المساواة لا تعم في اي بلد على الارض. اجمعيني بزعيمات التمرد فربما اقنعتهن على الاقل بالانتظار. هل كلهن مسلمات اباً عن جد ؟"

    "لا فرق بين المسلمين الا بالتقوى. فبعضهن أي المسلمات سليلات مسلمين، وبعضهن الاخر ممن تشفع لهن جدي اكراماً لعروبتهم ايام الجاهلية، وغيرهن من عصور ابعد واعتبرن مسلمات لحسن نياتهن وخير اعمالهن، واكرمن ببعض طبقات الجنة السبعة الادنى، لكن بينهن ايضاً نساء اُحضرن هنا اخيراً. كل منهن لديها حجج مشتركة مع الاخريات، ومبررات اضافيه مميزة عن غيرها."

    تذكر ياسر ان والدة نفيسه كانت اعجمية، ام ولد، واسلمت بعد زواجها من الحسن بن زيد بن الحسن بن علي زوج فاطمة بنت الرسول عليه السلام، فندم في قرارة نفسه على سؤاله حول اصول المنتفضات ولكنه قرر عدم التأسف واعتبار ظنها بجهالتة افضل من تذكيرها بأنه يعرف ولكنه سها عليه. عاد لموضوع الحوار بسؤالها: "هل التمرد واسع الانتشار ؟"

    "الامر يقتصر على السابعة وما تحتها .." القت نفيسه بياقوته خضراء في مياه النهر فتحركت الدوائر صافية وشاهدا الياقوته تهبط الهوينا حتى حطت بين اخواتها من مختلف الاحجام والالوان: ".. الطبقات العليا صافية مثل هذا الكوثر."

    "مشاكلنا هنا وسط اصناف هذا النعيم واللذات، وما لم تره عين ولا سمعت به اذن، يذكرني بالمشاكل ايام الشقاء على الارض." كان في نفس ياسر غرضاً لهذه المقدمة، ولم يكن يعرف اذا كانت نفيسه تملك قدرة الاطلاع على ما يشغله ويدور في رأسه ام لا. واصل حديثه: "بعض سكان طبقتنا ابلغوني بنعمة الله عليهم في التواصل عبر الحلم مع احبائهم على الارض .. " كف عن الكلام وفهمت انه لا يملك هذه الهدية ويتمناها.

    "انها نعمة ربانية يا ياسر، ولها احكام وشروط، ويمنحها الجبار لمن يريد بغير حساب. لو كان بوسعي ارشادك الى طريقها لما بخلت عليك. لكنها كما قلت، غير مكتسبة بعلم وانما هي منحة." نهضا عن صخرتين ذهبيتين وسارا في ظل شجرة تتدلي افرعها امامهم محملة بانواع متعددة من الفواكه الناضجة. قطف حبة تين فنمت اخرى محلها قبل ان تصل يده بالتينة الى نفيسه، التي كانت تشرح له فلسفة وشروط التواصل عبر الحلم بين اهل الجنة واهل الارض. صاحب تلك المنحة هو الانسان طيب القلب والذي لن يستغلها ابداً لغير طمأنه اعز من يحبهم. لا يحدثهم عما في الجنة حتى لا يُكرههم في حياة الارض، او يبعدهم عن اعمالهم ومعيشتهم ليتفرغوا في العبادات ضمانا للجنة. لا يطالبهم بثأر ولا بعمل شر او خير، وانما تبادل الطمأنينة. كلما توسعت هي في الشرح، تزيد قناعة ياسر ان نفيسه تعرف غرضه من السعي خلف منحة التواصل مع اهل الارض، وبالتالي تتلاشى امانية، وشعر ببعض الانقباض حتى قالت له: "ستجد هنا الكثير مما يشغلك عن الارض، احمد ربك واكثر من الشكر والتعبد، فأنت هنا خالد مدى الدهر، تنعم ولا تيأس، لا يبلى لك ثوب ولا يفنى شبابك، وسيصلك بعض رفاقك تباعاً."

    "الحمد لله على هذا النعيم. جنات الاخرين لا تقارن حتى بادنى طبقات جنتنا، الحمد لله. رفاقي هنا من الاطياب ايضاً، ولكني لا اخفيك شوقي لرؤية رفاق في طبقات اعلى."

    "بوسعهم زيارتك هنا متى شاؤوا، وبوسعك زيارة من تريد في الطبقات الست الاولى. لا تنس ان القدير خصك بفرصة اللقاء مع اصدقاءك من اهل الكتاب ايضاً."

    "الحمد لله والتسبيح له، هذا حق، والشكر لابونا ابراهيم خليل الله، فهو الذي تشفع لي ووفر لي هذا التخصيص ولولاه لكنت الان في النار يتفرج علي فيها من يريد من سكان كل طبقات الجنة." خر ياسر على ركبتيه وجاورته الضيفة وانغمسا في الصلوات.

    ارتحلت نفيسه بعد ان وعدت ياسر بالمرور على بعض رفاقه وابلاغهم تحياته وأماله، وحصل منها على اسماء ازواج بعض المتذمرات من سكان طبقته وجلهم من افضل اصناف عرب الجاهلية، وكبار فئة من فازوا بالشفاعة، اولئك الذين عملوا المتناقضات من كبائر الايجابيات والسلبيات وانتقلوا بعد العقاب من النار الى الطبقة السابعة في الجنة.

    "اين الملفات التي تركتها على الطاولة هنا ؟"

    "رأيتها فارغة فأفنيتها حتى يروق لك المكان." اجابته حورية وهي تمشط شعرها الاشقر وتضيء حليها المكان المحيط بها فتتقاطع دوائر النور مع ما يشع من اخواتها الحوريات الست.

    "من الان فصاعداً لا تنظفن ما على المكتب الا حين أمركن بذلك."

    "سمعاً وطاعة يا بعلنا." قالت السبع بصوت موسيقي ناعم ولمع بريق اسنانهن كعقد اللؤلؤ.

    "لست ببعلكن، ولكنكن جوارٍ خلقهن الخالق في الجنة لخدمتنا. كون زوجتي غير موجودة معنا هنا، لا يعني اني بعلكن." قبل ان يغادر ياسر باب خيمته وهن من خلفه مجيبات طائعات خافضات الرؤوس، اكمل حديثة بشىء من الحدة، "عندما اعود اريد رؤيتكن بلباس غير هذا الشفاف، ولا اريد رؤية عظامكن عبر بياض البدن. تسترن قليلاً لزيادة التشوق." تذكر بعد خطوات عن باب الخيمة انه يريد طبخة ملوخية بالارانب، فقد اعادت له زيارة نفيسه طعم تلك الاكله التي عشقها من ايام دراسته واقامته في مصر وحرص على اكلها مرة كل اسبوع على الاقل حتى دسوا له السم فيها. عاد للخيمة ووجدهن قد عدن للعناية بأنفسهم: "اريد اليوم ملوخية بالارانب، سارى اذا كانت احداكن تتقنها."

    وقف ياسر امام بيت اهتدى اليه بسهوله عبر السؤال والوصف الذي ابلغته به نفيسه: "يا كلثوم بن مالك، ضيف ببابك فاخرج للسلام." فُتح باب ينتصف جدار من حجارة فضية، وظهر خلف من فتحت الباب معرش عظيم من خشب الابنوس: "اين كلثوم يا جارية ؟" سألها وقد خفض رأسه حتى لا ينظر لحريم غيره.

    "لست بجارية لاحد، وهذا البيت لا جواري فيه. من انت عرف بنفسك قبح الله الفاظك."

    "ياسر عرفات، رئيس فلسطين وناصر شعبها.."

    "عرفتك، فقد تابعنا افعالك، ولا ادري ما الذي اوصلك هنا، ولولا اصول الضيافة لاسمعتك غير ذلك." عرفها قبل ان تذكر اسمها، فمن اجلها حضر ليتحدث مع بعلها.

    "الذي اكرمك بهذا المقام اكرمني ايضاً يا ليلى بنت مهلهل التغلبي. اين كلثوم يا ابنة خال امرؤ القيس وابنة اخ كُليب، لا تطيلي علي الحديث ؟"

    "لست ببطلة مؤتمرات الحديث الطويل الفارغ، كلامي مختصر، وكلمة مني تقتل الملوك، فأنا أم عمرو بن كلثوم. ستجد غايتك على نهر البيدخ، فأن شئت فأنصرف اليه." تجرع ياسر الاهانة بوصفها له بطل مؤتمرات وليس مثل ليلى التي قتل ابنها ملك الحيرة في دار ملكه. لم يكن يتوقع ان كلثوم يذهب الى نهر البيدخ ليتفرج هناك على الحور الناشئات، فيلمس معصم من تعجبه منهن لتتبعه حيث يريد.

    "افرغت بيتك يا بنت الاكارم من حور العين، منحه الله لعباده الصالحين، فذهب بعلك الى البيدخ يتصيد. اليست الاولى افضل من الثانية ؟"

    "وما الذي ينقصني ليختار احدى السيئتين ؟ ألم يقل عز وجل في كتابه عن أمثالي (عرباً أتراباً) " قاطعها ياسر بأن القرأن وصف الحوريات ايضاً بأنهن "كواعب اترابا"، وكأنها توقعت مثل هذا الاستشهاد وتعودت الرد عليه اذ اكملت: ".. صحيح، لكن الرسول فضل نساء الارض على الحور العين كفضل الظهارة على البطانة."

    "وهل تظني ان الرسول الكريم واياً من الانبياء يقبل بما تخططين له."

    "اذا جاءنا أمر رباني، او سمعنا من فم الرسول مباشرة طلب بالخضوع ونبذ السخط وقبول هذا الحال، فسوف نأتمر فوراً. ما نريده لا يغضب الله والرسول والانبياء." تذكر ياسر ان مهمته العثور على حل وسط وتتطلب ابقاء الخطوط مفتوحه مع ليلى واخواتها، كما اعتبر جملتها الاخيرة مفصلية.

    "هذا والله يا أم عمرو عين الصواب، واعلمي انني تنازلت طوعاً عن غالبية الحور في خيمتي، ولولا الخوف من اتهامي بالجحود لاستغنيت عن السبع المتبقيات."

    "اذهب واقنع من تجدهم على البيدخ بكلامك هذا، وستجد بعضهم يملكون زوجات من نساء الارض البس الله وجوههن النور واجسادهن الحرير، بيض اللون ناعمات، ويملكون سبعين حورية، ولا يكفيهم كل ذلك فيذهبون لتصيد الجواري في البيدخ. ان قالوا لك هذه من نعم الله، ماذا ستقول لهم؟"

    "سأطالبهم ان يكتفوا ببعضها. استودعك الله، واتمني ان يتواصل حوارنا."             

    جلس ياسر على حافة نهر البيدخ ينتظر خروج كلثوم، والجارية التي اختارها، من الماء. تعجب من دناءة نفس الرجال الذين فتحت لهم ابواب الجنة، صحيح ان كل ما فيها من متع خصصت لهم، ولكنهم هنا ازواجاً ايضاً، الصالحين للصالحات. ثم ما هذا التعلق بالجنس بينما النكاح دحماً دحما ولا منى فيه ولا حبل ولا ميلاد. الا يكفي واحدة طالما انها تعود كل ليلة بكراً كما كانت لتدحم كما يحلو لبعلها ؟ نعم، الذين لا زوجات لهم، او لم تحضر زوجاتهم للجنة يمكن تخييرهم بين بعض الحوريات، اما سبعون واحدة متشابهات في حسن الاجساد والعشرة لينكهن كلهن، فلا مبرر له.

    "السلام عليك يا ابن القدوة، واهلا بك على ضفاف البيدخ." قاطعت التحية حبل افكاره؟

    "وعليك السلام يا ابن مالك، يا من جدك عتاب، افرس رجال عصره، يا بعل اجمل واذكى واشرف نساء العرب."

    "تحيتك الطويلة توحي بلقاءك للتو مع ليلى وكسبها لك نصيرا. ظننتك وصلت للاستمتاع، وانت المحروم من الزوجة. وجودي هنا لا يخالف امر لله، بل شكر على نعمته. اذا قضى الله او رسوله او ملائكته غير ذلك فأسكون من الطائعين." استمع ياسر لهذا الشرح الكامل الوافي المعبر عن الموقف بدقة، واختار تغيير الحديث بطلب توضيحات من كلثوم عن حياة ليلى على الارض.

    "تبادلت بالفعل بعض الحديث مع ليلى قبل وصولي هنا، ولا اخفيك انها بهرتني بكلامها وان كنت لم افهم بعض قولها، مثل ان كلمة منها تقتل ملك."

    "كلمتها، او كلمتيها، قتلت ملك الحيرة عمرو بن هند. قالت واذلاه ! يا لتغلب !  فقتل ابني الملك." لبس كلثوم ثيابه الحريرية الصفراء والخضراء، وصرف الجارية وسار الى جانب ياسر على ضفاف البيدخ يحدثه عن تلك الايام من الجاهلية، وعزة النساء وكثرة انتساب الفرسان والملوك لامهاتهم. كان عمرو بن هند قد سأل ندمائه اذا كان هناك بين العرب من تأنف أمه من خدمة هند. "اخبروه انها ليلى بنت المهلهل زوجتي وام عمرو سيد تغلب من بعدي. اغتاظ ابن هند وارسل دعوة الى ابني في الحجاز ان يحضر لزيارة الحيرة ويحمل معه أمه لزياره هند. ذهب ولدي بالفرسان ولم يدر ان ملك الحيرة طلب من امه هند ان تذل ليلى اذا ما جلستا الى الطعام." سحر كلثوم ياسر بهذه الرواية التي حدثت بعد مماته وعرف تفاصيلها بعد ان نالته الشفاعة ودخل الجنة. "طلبت هند من ليلى ان تناولها طبق طعام، فردت زوجتي عليها بأن على صاحبة الحاجة ان تقوم الى حاجتها، لكن هند كررت السؤال، فكررت ليلى الاجابة مرتين وصرخت في الثالثة واذلاه، يا لتغلب." اقشعر جسد الرجلين وتبللت مأقي الاعين، ثم واصل كلثوم بعد ثواني: "سمع ابني من الخمية المجاورة نداء أمه، نظر لعيون الملك واستشف مخططه، وقعت عيونه على سيف الملك معلقاً على عمود الخيمة، وكان الجميع تركوا اسلحتهم خارجها. قفز على السيف واطار عنق عمرو ابن هند وسيطر رجال تغلب على الامر ونهبوا منازل ابن هند وعادوا من دون ان يخسروا رجلاً واحداً."

    "لله درك ودر ابنك، وهل تُترك زوجة كهذه لوحدها في البيت ؟"

    "كان ذلك قرارها، طالبتني بطرد حور العين ففعلت، وانا انفذ كل طلباتها."

    "اذاً هي راضية عن حضورك للبيدخ ! فهمت من نبرتها غير ذلك."

    "الله ورسوله وملائكته راضون عن افعالي. لقد نفذت طلبها فيما يخص الحال في البيت، لكن حقوقي وحريتي خارجه شىء أخر."

    "لكن البغاء لا يرضى الزوجات، وانت ستغضب لو هي فعلت مثل فعلك." تعجب ياسر من خروج تلك الكلمات من فمه، وقبل ان يخفف من وقعها على كلثوم قابلهما الحجاج ابن يوسف، فأنشغلا في رد التحية، ووقف الثلاثة يتجاملون حتى نوه كلثوم لمعرفه الحجاج بالتطورات وعاد لوصل الحديث.

    "يمكنك ان تسميه ما تشاء، لكن حقيقة الامر انه مسموح هنا كما كان مسموحاً ومعروفاً ايام الجاهلية. نسائنا شرفنا، ومن اجلهن اشعلنا حروب. والذين قُتلوا لتعديهم بالقول على الشريفات اكثر من اللواتي قُتلن لاخلالهن بالشرف. يعرفن ان عليهن صيانة فروجهن، ولم يخف عليهن ابداً اخذ الرجال لجاريات. نحن ميزنا بين الزوجة ورفعتها واحترامها وصيانتها، وبين الجارية الممكن فعل ما تريد معها. هذا الحال الان لا يختلف، فلماذا يردن حجبنا وفرض الطاعة علينا ؟"

    "ان كيدهن لعظيم. لولاهن لما كنت انا في السابعة معكم." قال الحجاج وسط استغراب الرجلين من انعدام لباقته.

    "يمكنك النزول للاولى يا ابن يوسف، او حتى العودة للجحيم اذا لم تعجبك جيرتنا." تحرك كلثوم بعد تذكير الرجل باقامته في جهنم ردحاً من الزمن، وجاوره ياسر وتبعهم الحجاج مُفسراً.

    "ظننتكما تعرفان قصتي مع أم البنين وانها السبب في وجودي بينكم، ولم اقصد الترفع عنكما..."

    "اذاً اضبط كلامك، لسانك هو الذي اوقعك مع أم البنين ايضاً، مرة حين ذممت النساء أمام الخليفة الوليد وبلغ الامر زوجته، والمرة الثانية حين روجت عنها قصة غرام مع وضاح اليمن، وهذه الاقاويل، مع ارواح الابرياء الذين قتلتهم ظلماً، وضعتك في النار دهراً."

    "لا ادري لغضبك سبباً يا كلثوم، لقد رحمني الله وانت تواصل تحقيري. كيف كان حال العراق لو لم اعمالهم بالشدة واضبط أمرهم ؟"

    "أسوأ من حالهم الان لا يمكن ان يكون. انت بداية الخراب، استغليت تسامح الخليفة ورحمته وعربدت على الناس، لو كنت الان على الارض لحاكمك الاميركيون كما يحاكموا صدام.." تدخل ياسر طالباً منهما استغفار الله والتروي ولكنهما تجاهلاه.

    "ويحك يا ابن مالك، اتشبهني بصدام الذي هرب واختفى كالفأر المذعور أمام جيوش من الحريم؟"

    "بالضبط هذا ما افعله، انسيت انك هربت أمام سيف غزالة وحماتها جهيزة ؟ ألم تقسم غزالة ان تصلي الجمعة في مسجد الكوفة وفشلت انت في منعها ؟ لمن قال حطان بن عمران بعد فضيحتك:

أسدٌ علي وفي الحُروبِ نعامةٌ         فتخاءَ تنفُر من صفير الصافرِ

هلا برزتَ الى غزالةَ في الوغى     أم كانَ قلبكَ في جناحي طائرِ

صدعت غزالةُ قلبهُ بفوارسِ           تركت نواظرهُ كأمسِ الدابرِ

هل تريد ان اذكرك بما قاله ابن خريم ايضاً .."

    "اللعنة على الخوارج، لقد قتلتها وشبيب زوجها وأمه جهيزة .." قاطع الحجاج كلثوم بينما حملته ساقيه بعيداً عن الرجلين، فاسمعه كلثوم:

    "قتلتهم نعم، ولكن بالخديعة، كالعادة. لا تنسى اننا هنا نلم بتفاصيل الماضي ونعرف مقدار عزه الله في تغيير قباحة وجهك على الارض الى جمال وشباب دائم هنا، ولو بقيت على خلقتك لما قبلت بك اي من جواري البيدخ." هدأ كلثوم فلم يعد الحجاج على مسمع منه. "لو قابلته على الارض لقطعت رأسه ثم وبخته، لكنا هنا منُحنا نعم ومنُعنا من أخرى."

    "كم أود لو ارزقنا الله بنعمة رؤية المستقبل، اريد الاطمئنان على فلسطين والعراق."

    "لو فعل ذلك يا ياسر لشغل بالنا ونكد نعيمنا، اترك تدبير الكون لخالقه، فهو العليم الحكيم. يكفي اشراكنا في معرفة الماضي، وكيف يسهل علينا في لمحة بصر استرجاع اي موقف، دع معرفة الغيب لربك."

    "والنعم والايمان برب العزة. كيف ترى نهاية مطالب النساء ؟"

    "لا حول ولا قوة الا بالله، انا لا اعرف الغيب، ومنع علينا التنجيم. ربنا أمرنا بأشياء ونحن ننفذ. اذا اراد تغيير وضع النساء فهذا بيده، واذا اردن تصعيد مواقفهن فهذا بأذنه. انا مطيع لربي غير متأمر على زوجتي بل مُحترم ومنفذ لرغباتها في البيت. نحن هنا لابد الابدين، كنا قبل الاسلام وبعده والان قوامون على النساء، حين يأذن الرب ان يصبحن قوامات سنقبل ونحمد ونشكر."

    سرح ياسر اثناء عودته الى لؤلؤته المجوفة بما سمع عن أم البنين، وركز ذهنه تجاه غزة فرأي رئيس وزرائها الجديد جداً، اسماعيل، يعلن افلاس خزينة الدولة بينما خزائن بعض الدول الاسلامية تطفح بالاموال وحكامها يسبحون في البذخ الفاني. أم البنين، ابوها عبد العزيز بن مروان والي مصر لعقدين من الزمن، وعمها الخليفة الاشهر، عبد الملك بن مروان، اخوها الخليفة الاعدل ابو حفص عمر بن عبد العزيز الذي تزوج فاطمة بنت عبد الملك. أما زوج أم البنين فهو ابن عمها الوليد بن عبد الملك باني قبة الصخرة والمسجد الاموي ومسجد النبي، وفي عهده فتحت الاندلس وبلاد الترك والهند. اين الخلف من السلف؟ تمتم ياسر دون ان يخطر في باله انه قد يكون احد اسباب استمرار النكبه. أمرأة بتلك العزة والتربية اتهمت في شرفها بقصة مختلقة لينتقم منها الحاسدون، وهاهي في الفردوس تحفها الملائكة، ومن اتهموها شوتهم النار.

    كانت في الحج مع زوجها بعد توليه الخلافة، فحمل محمد بن يوسف الثقفي، والي اليمن واخو الحجاج، هدية للخليفة. تشككت أم البنين في شرعية جمع الهدية فُطلب من محمد ان يحلف انها حلال، واستُحلف بين الركن والمقام خمسين يميناً انه ما غصب أحد شيئاً منه ولا ظلم. النتيجة انه مرض بداء شديد ومات، ووصل خبر موته الى الحجاج عشاء موت ابنه محمد. بعد سنوات توجه الحجاج لزيارة الخليفة في دمشق، ولاحظت أم البنين اعرابي غارق في سلاحه يجالس زوجها، فأرسلت للوليد تسأل وتحذر. رد عليها انه الحجاج بن يوسف فأطمأني، ولكنها اعادت الجارية لتقول للخليفة، والله ان يخلو بك ملك الموت أحب الي من ان يخلو بك الحجاج بن يوسف. لم يخف الخليفة عن ضيفه ما وصله من راي ابنة عمه. بدل السكوت تطوع الحجاج لنصح الخليفة قائلاً: "يا أمير المؤمنين، دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول، فأنما المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، فلا تطلعهن على سرك، ولا على مكايدة عدوك، فإن رأيهن الى أفن، وعزمهن الى وهن، ولا تملك الواحدة منهن من الامور ما يجاوز نفسها، ولا تطمعها أن تشفع عندك لغيرها، ولا تطل الجلوس معهن، فإن ذلك أوفر لعقلك، وأبين لفضلك".

    في ذلك اليوم اخبر الوليد أم البنين ما قاله الحجاج، فكتمت غيظها وطلبت من الخليفة ان يرسله ليسلم عليها حين يعود بالغد. اراد الحجاج التملص من السلام ولكن الخليفة أمره فذهب. حجبته طويلا قبل ان يدخل اليها، ثم خاطبته من خلف سترتها: ايه يا حجاج، انت الممتن على أمير المؤمنين بقتل عبد الله بن الزبير ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، الصوام القوام المستغرق الساعات في الطاعات، ذي المناقب الشهيرة الكثيرة؟ وابن اسماء ذات النطاقين؟ واول مولود ولد في المدينة المنورة من المسلمين بعد الهجرة ؟!! يا حجاج وانت الممتن على أمير المؤمنين بقتل عبد الرحمن بن محمد بن الاشعت ؟! واصلت أم البنين التجريح ببلاغة ووصفت قباحة وجهه ولانه اشر خلق الله فقد ابتلاه برمي الكعبة بالمنجنيق، وبأنه لولا نجدة اهل الشام له لكان مثل البقة، وان النصرة تمت بجمع المال والحلي من النساء وفي مقدمتهن نساء أمير المؤمنين. عندما انتهت من توبيخه خرج يتخبط مدهوشا حتى اوصلوه لامير المؤمنين الذي انقلب على ظهرة من الضحك مما اصاب الحجاج.

صدق رسول الله بقوله "ان صنائع المعروف تقي ميتة السؤ." قال ياسر لنفسه وقد ترأت له صنائع أم البنين الكثيرة ومنها ما فعلت مع الثريا. الثريا بنت علي بن عبد الله الحارث من اجمل بنات عصرها وكأنها نجمة الثريا بالفعل. فيها وفي زوجها سهيل، الذي حمل اسم نجم هو الاخر ولكنه كان اقبح رجال عصرة خلقه، فيهما قال عمر بن أبي ربيعة:

    ايها المُنكح الثريا سهيلاً             عمَركَ الله كيفِ يلتقيانِ

   هي شاميةٌ إذا ما استقلت            وسهيلٌ إذا استقل يماني

    حضرت الثريا بعد طلاقها الى أم البنين تطلب ان تسد عنها ديناً كان عليها وعجزت عن قضائه. دخل عليهما الوليد فعرفته زوجته بأن الضيفة هي الثريا، فسألها ان كانت تحفظ شعرا لعمر بن ابي ربيعة، ظناً منه ومزاح انها ستقول البيتن اعلاه. اجابت الثريا بأنها تحفظ وقالت: كون عمر رحمه الله كان عفيف الشعر ساروي لك من ذلك:

   وحساناً جوارياً خَفِراتٍ           حافظات ٍ عند الهوى الاحسَابا

    ضحك الوليد لفطنتها وأمر بتسديد دينها.

    لكن أم البنين اغاثت ايضاً قبل ذلك الشاعر عبيد الله بن قيس الذي مدح مُصعب بن الزبير بن العوام واكثر في ذلك اثناء خروج عبيد الله ومصعب على الخليفة عبد الملك. وصلتها رسالة من عبد الله بن جعفر بن ابي طالب، أخر من رأى النبي، وكان الشاعر بعد الهزيمة قد التجأ اليه. ذهبت أم البنين لعمها ففطن لغاية في نفسها وقال: قضيت لك كل حاجة الا واحدة، وهي عبيد الله بن قيس. فقالت: يا أمير المؤمنين لا تستثنين علي. غضب الخليفة ونفخ فاصابها، لكنها صمتت واطرقت وتساقطت دمعاتها. خاطبها عمها وقد تندم: ارفعي يدك عن وجهك يا أم البنين، قد قضيتُ لكِ حاجاتك كلها.

    دخل ياسر اللؤلؤة يتمتم: نصرتِ فنُصرت، هنيئاً لك ما انت فيه. اشتم رائحة الملوخية، ووجد سبعه اطباق مطهوة بطرق شتى تنتظره. هنا يمكنك اكل ما تريد، لا جوع ولا شبع، لا بول ولا غائط، لا سمنه ولا ضعف، لا ترهل في الجسد ولا قسوة في تفاصيله.

الجنة درجات

    "مع كل المشاكل القائمة على الارض، والاخرى المتوقعه هنا، ولا تجد يا شريكي سوى هذا الاقتراح ؟ لماذا لا تذهب انت شخصياً الى احد الانبياء ليتوسط عند الله بأطالة غيبوبته، او ليرسلة الى الجحيم مباشرة ؟ بصراحة يا ياسر انا وصلت هنا عبر وساطة، ويصعب علي الان تحريك لوبي لهدف غير طيب."

    "كلهم رفضوا مقابلتي .." واستدرك ياسر: "..او لم يتجاوبوا مع طلبي للان، حتى جمال ترفع وارسل لي بالقول: اذهب الى شريكك رابين ليساعدك، وكأنه أمر يخصني لوحدي."

    "لكل اجله، وربما لا تعرف انت ان اطالة الغيبوبة تتم بواسطة لصالح شارون وليس ضده، يريدون كسب الوقت لاثارة العطف عليه حتى يفوز بموقع اقرب الى الرب وابعد عن جهنم. الافضل لك السعي لمنحه الصحة واطالة عمره على الارض، او الدفع بالحسم السريع في مصيره. لكن نصيحتي ان تريح نفسك وتستمتع بما انت فيه من نعم. نحن اليهود لا جحيم ونار ابدية هنا تشوينا، ولا جنة مثلكم عن نعم ولذات الارض تغنينا."

    "لقد خفضت عدد الحوريات الى سبعة فقط حتى اتفرع للشأن السياسي ومتابعة ما يجري على الارض. احيانا افكر في التحول الى جنتكم بعيداً عن المتع الحسية هنا." لم يظهر على ملامح ياسر اذا كان يريد ملاطفة رابين بهذا القول، ام انه بالفعل لا يريد المتع.

    "او تنصر واذهب الى جنة المسيحيين فستجد هناك بالتأكيد الكثير من ابناء شعبك وانسابك واصدقائك، ولكنهم ايضاً هناك لا يتناكحون." أجابه رابين ضاحكاً بعد ان انتقل في طوافه من الكتف الايسر الى يمين عرفات الملتف بالقماش الكاكي، ويكاد يتفرد فيه عن لباس كل سكان طبقات جنة المسلمين من الحرير وما هو انعم منه. ثم أضاف: "عموماً جنتنا مفتوحة للصالحين من كل البشر والديانات، واعتقد ان بوسعي الحصول على اذن لك بالزيارة."

    "سبعون حورية اسهل من انسية واحدة. انهن يخططن الان في جنتنا الى القيام بانتفاضة ولديهن مطالب ديمقراطية ستثير غضب الاصوليين." لم يعلق ياسر على الدعوة لزيارة جنة اليهود، فقد حسب على الفور انه سيعجز عن الرد بدعوة اسحاق الى جنة المسلمين، كما خطر تساؤل في ذهنه: ماذا سيفعل لو التقى هناك الذي أمر بدس السم له ؟ هل سيلطمه ام سيشكره؟

    "اترى! هذه مشكلة في صميم الديمقراطية وتستحق منك التدخل بدل اشغال ذهنك بشارون ومصيره. ماذا تريد نساؤكم ؟ اذا لم يكن الامر سراً بالطبع."

    "انسيت انك شريكي ولا يوجد بين الشركاء اسرار؟ لم اعرف بعد كل مطالبهن، وصلني انهن يرغبن في التساوي مع الرجال، وهذه ورطه. عندما اعرف التفاصيل ساخبرك بها. من سيحضر من طرفكم الى مؤتمر يوم القيامة؟" اراد ياسر بهذا السؤال تحويل الحوار مع اسحاق الى موضوع اخر حتى لا يكتشف شريكه انه يخفي عنه تفاصيل مطالب النساء التي ابلغته بها السيدة نفيسه.

    "كل من تفكر فيه من طرفنا سيحضر، وكل من يُطلب رأيه او شهادته سيُجلب. هل لديك فرصة او حصلت على دعوة للمشاركة؟" أجابه اسحاق بنبرة تحمل تهديد مبطن.

    "طبعاً سأكون في مقدمة الحضور، وبصراحة ساتفق وأتحالف مع كل من يطالب بتأخير موعد القيامة..." كان ياسر يعدل في وضع اكليله المزين بالدر والياقوت وقد عاد لشبابه وكحل عينيه فبدتا اوسع مما كانتا على الارض عندما كان في الثالثة والثلاثين: ".. اذا لم توجه لك دعوة، سأطلبك للشهادة عن الظلم الذي اصاب شعبي."

    "لا تورطني في مشاريعك. سأجد طريقة لحضور المؤتمر، كمراقب فقط." كان اسحاق يحلق للخلف ويتأمل في الغبار الذي حط على ياقوتات اكليل شريكه: "اللون الكاكي لا يتناسب مع هذه الحلي، لماذا لا تتزين بأناقة او تتقشف فعلاً ؟" لم ينتظر من ياسر أي أجابه وعاد الى موضوع المؤتمر: "اذا اتفقت معك في كون شعبك قد قاسى قليلاً او كثيرا، فلماذا لا تريد التعجيل في القيامة واراحته ؟"

    "وهل يُعقل ان تقوم القيامة قبل ان ينال الاستقلال والدولة ويتمتع قليلاً على الارض مثل بقية الشعوب؟"

    "طبعاً يُعقل ونص. في الانتخابات القادمة ستفوز حماس بالرئاسة، واذا قامت دولة فستكون على غرار جمهورية الامام الخميني، وربما تستقلون عن بعضكم بعضاً في عدة دويلات، وستنشب الحرب وتتواصل مأسيكم، وستشيدون لكل دويلة عدة سجون. دعهم يقربون موعد القيامة يا رجل، أم انك تخاف على شعبك ان يذهب الى النار لتأييدهم قتل اليهود بدون تمييز، قتل اهل الكتاب؟"

    "بل الى اعلى طبقات الجنة ..." لم تكن اي مسحة غضب قد اعتلت ملامح ياسر وهو يرد على كلام شريكه في محاولة صنع السلام، وترك له بسهولة فرصة ان يقاطعه قبل اتمام جملته.

    "اذا كان الامر كذلك فتمن القيامة سريعاً. معارضتك ستفسر أما بالانانية وانك لا تريد الجنة لشعبك وللمسلمين، او انك تريد ادخالهم الجنة شهداء قاتلين لليهود ومقتولين منهم. قصة انك تريد لهم دولة يتمتعوا فيها لن تنطلي على احد."

    "ايه يعني تنطلي، عايز تقول اني أخرت قيام الدولة الفلسطينية على الارض واخرب فرصة شعبي في الجنة؟"

   "لا تنرفز علي وتتكلم بالمصري، انت الذي قلت الان انك خربت الفرصة على الارض وناوي تخريبها في السماء." جلس اسحاق على كتف ياسر الذي واصل تمشيه في المنطقة العازلة بين جنتي اليهود والمسلمين، وعاد صوته لنغمة عادية: "نحن اليهود لا متع لدينا في الجنة مثلكم، ديننا يعطينا نعمة الحياة والانبساط على الارض، والراحة الروحية في السماء بتقريب الانبياء والصالحين من الرب بمقدار طاعتهم. ما اريد قوله انك ستجد الكثير من المؤتمرين اليهود يؤيدونك في فكرة تأخير موعد القيامة لتمكين شعبهم من المتعة على الارض لاطول زمن. موقفهم هذا سيضعك في عزلة اكبر في جنتك، وربما انزلوك الى ادنى طبقات الجنة."

    "اقل من الدرجة السابعة؟ لا أظن. تمنيت منطقة الفردوس في الوسط، ولكن نصيبي كان ثلاثاً وتسعين درجة اسفل العليا. الحمد لله حتى لو اعادني الى ادنى درجات الجنة، فكما ترى اني اتنازل عن الطيبات طوعاً."

   "اي تنازل هذا! خيمتك لؤلؤة مقعره، وجذوع اشجار حديقتك من الذهب، وبدل السبعين استكفيت بسبع يعدن كل صباح ابكاراً. ماذا قلت لي في المرات السابقة ايضاً؟... نعم، تقطف الفواكه عن الافرع وانت متكيء على فرشات الحرير، وتشتهي الطير فيخر امامك مشوياً. يا حرام تنازل عن الطيبات وتقشف بالكاكي وتيجان الزمرد والياقوت."

    "احمد ربك انني هنا لاخذك الى هذه النزهات واشاغل ذهنك بشؤون غير العبادة. اين تتوقع ان يكون موقع شارون، اقرب الى الرب ام الى جهنم؟" محاولة من ياسر لامتصاص ما ظن انه غيرة وحسد في صوت شريكه الذي وصل لموقع من الرب لم يكن يستحقه على افعاله، ولكنه فاز به في جنتهم بسبب اغتياله من قبل يهودي.

    "حب الرب لليهودي يعتمد على تميزه عن الاخرين. كلما تميز الانسان عن غيرة زادت محبة الرب له..."  قبل ان يكمل اسحاق تفسيره اقتربت منهما حافة سحابة من الرضع النصارى الهائمين في المنطقة العازلة. حدقت بهما العيون الحمراء المبللة بالدموع، واستدارت السحابة خلفهما، ولاحقهم العويل والتوسل بالوساطة.

    "هذا يهودي وانا مسلم، لا يمكننا تعميدكم وانهاء تشردكم وهيامكم، ولكني اعدكم بطرح قضيتكم امام الجميع في المؤتمر القادم." كانوا يعرفونه من مرات سابقة، لكن هذه اول مرة يقدم لهم ياسر خبراً عن مؤتمر قد يغير حالهم.

    "انتما من الارض المقدسة، وجارا أبينا، وكلاكما في جنته، احضرا لنا قساً في نزهتكم القادمة ليعمدنا وربما تنتهي ورطتنا." لم يعلق الشريكان بشيء، وخفضا رؤوسهما واختفيا دون وداع.

(من فصل المساواة)

                                                                 المساواة

    فرغن من صلاتهن على ضفة نهر العسل فسلمن على بعضهن مجدداً. عشرون انثى من نساء الارض البس الله وجوههن النور، بعد ان كن في الدار الدنيا عجائز رمصاً شمطاً، فأعادهن الله هنا عذارى، عرباً متعشقات متحببات، اتراباً، على ميلاد واحد. لم يكن الاجتماع كبيراً ففي العادة يتجمع منهن المئات على شاطيء نهر اللبن للتداول في رؤاهن والتوافق بين مطالبهن. غايتهن الاخرى من هذه اللقاءات العلنية، التي لم يُعقد اي منها بعد على نهر الخمر، ان يثبتن الفوارق بينهن وبين حور العين المحظور عليهن مغادرة الخيام والبيوت والقصور او الانكشاف على غير اسيادهن. 

افصحت ليلى لرفيقاتها في بداية الحديث ما مر بها، وخمنت ان وساطة جديدة قيد الاعداد، وتوقعت تأمر بين الرجال ليتحالفوا ضد مواقفهن، خصوصاً وان نفيسه احتارت بين تفهم الموقف وبين الصمود على الطاعة العمياء. "عموماً لا يمكن توقع اكثر من ذلك من قبل نفيسه الشريفة، وكلي ثقة انها ستوصل الامر بأمانة لمن يعنيه الامر. لكن تدخل ياسر ومجاراته للرجال وعدم قطعه الحبال مع اي كان، هذه المحاولة يفترض اخذ الحذر منها."........

(من فصل الديمقراطية)

                                                                       الديمقراطية

    "بسم الله الرحمن الرحيم، السلام الجبار القاهر والحليم. ارحب بكم، وانقل لكم تحيات الرب والانبياء الذين قرروا المراقبة من بعد عما سيدور هنا." خر الحضور سجودا عند سماع جبرائيل يذكر بعض اسماء صاحب العزة وينقل اليهم تحية انبياؤه المختارين. أنتظر وهله حتى ينتهوا من تقديم ايات الاحترام ثم تابع افتتاحه للمؤتمر. "بأذنه تعالى تم تجميعكم من مختلف انواع الجنة والنار وطبقاتها لعقد هذا اللقاء المفتوح بين الجميع من كل العصور والديانات. ناقشوا ما تريدون، لكن لاتنسوا او تتجاهلوا ان الهدف هو تبادل الاراء حول موعد يوم القيامة. الواحد القهار يسمع كل ما تقولون او تقررون، لكن حتى اجماعكم على أي شىء لن يعني تلبيته. ما يعرفه بعضكم بأسم الشورى او الديمقراطية لا قيمة له هنا." ارتفع خليط من الهمهمات بين قول أمين وبين تساؤل عن فائدة اللقاء.

    "لكن الاحتمال وارد ان يستجيب الرب لطلبنا، اليس كذلك ؟"

    "الاسكندر، كل الحضور هنا لا يمثلون الا انفسهم حتى لو كانت اراؤهم تلقى تأييداً من غيرهم. الله فقط هو صاحب الامر والنهي والقرار .. نعم يا حمورابي ماذا تريد القول ؟"

    "اولاً الشكر للرب على تقديره لنا والسماح بهذا الاجتماع في الفردوس. اود الاستفسار اذا كانت اجتماعات سابقه كهذا، قد اثمرت باستجابه الرب لبعض ما تمخضت عنه من أراء."

    تبسم جبرائيل، فأمتلاء المكان بمزيد من النور، وشرح للحضور ان قصد حمورابي هو الاستفسار .......

 

المحتويات

هذه الرواية من 262 صفحة وتضم الى جانب المقدمة 24 فصلا : القوامات، الجنة درجات، المساواة، الديمقراطية، القيامة، سليمان، أهل النار، أولى القبلتين، الزقوم، نساء الارض، أميركا المسلمة، مصير ابليس، فجعلناهن ابكارً، قيامة لبنان وغزة، مسرح القيامة، برقع وفياغرا، انتحاريون وشهداء، عقم الحوار، حرمات رمضان، التأنث حلاً!، حامض حلو، ثقافة التحرش، عسر ويسر!، إرادة الله.

                                      

(عودة لاعلى الصفحة)